كورونا وذاكرة الفرح
الدكتور علي لعيبي
( 9 )
الحديث عن الكبار والخوض في رحلتهم وذاكرتهم أشبه بلحظاتِ الولادة , تحتاج مني إلى شجاعةٍ أستخرج فيها دم الأجراس وصوت الناي المغيب في دفاترِ الأنبياء من أساتذةِ جيلنا الذين ندين لهم بالكثير , علي لعيبي الذي عرفته بداية تسعينات القرن الماضي , هو الأستاذ والمربي الذي منح كوكبة من ذلك الجيل للارتقاء في سلم الحياة , تخرج على يديه الدكتور والمهندس و الشاعر والإعلامي والضابط والفنان , حينها كانت بيوتنا أشبه بأحياء المنسيين , وعلى بساطتنا نحنُ أولاد الفقراء الذين نقضي عامنا الدراسي بقميصٍ واحد وقمصلة واحدة ندخل قاعة الدرس فنشعر بأننا قطاف الورد , غير أن حديث علي لعيبي مع الطلبة يجعلهم يشعرون بالغنى والترفع , يحشو أفكارهم بالقادم الوردي وينبئهم بأخر الرحلة , أولادي - هكذا كان خطابه , الجد والمثابرة ولا يستنقصكم العوز والفاقة , ولا تخيفكم أجنحة الورق القديم أتركوا الخيبات على رفوف الغبار , ورافقوا الشمس ولغة الضياء , , قبلكم انتصر العديد ممن درسوا في إعدادية قتيبة وقد سبقوكم لمنار الفخر والانتصار , , ونحن وجوهنا لا تفارق وجوه أساتذتنا , هم لم يكونوا أساتذة فقط بل كانوا أخوتنا الكبار نشكو لهم كل المقذوفات التي تسكن صدورنا , نروي لهم أحاديث الزمن المُر , ونقرأ لهم رسائل الغرام , نتبادل الكتب ونغازل لغة الدروب , حين رافقتنا سنوات الضياء المنقوشة على ثغرِ صفحات الزنابق .
علي لعيبي حين غاب عن بذوره وشتلاته التي غرسها في مساحات الوطن عاد ثانية بعد غياب يفتشُ بين الأسماء , عن حيدر الذي أصبح إعلاميا بعد أن تزوج وأنجب أطفالا ومحمد المربي الذي يدير متوسطة بكاملها والدكتور فلان يكتب الشعر ويلون وجوه طلبته في كلية الآداب وووو وقاسم الصبي الأسمر صار يذب عن كلماتهِ ويعيد ترميم التشوهات التي تعرض لها حين كُسر سيفه وطعنت خاصرته , وجد الجميع صناع فكر ومركب يحمل الغَمد والسنابل , صحيح أننا فقدنا عظامنا الرخوة وفرت من أفواهنا أغنية الصبا والصعلكة إلا أن ملامحنا تدعوا للعناقِ ولألفة والمحبة , فتشابكت ثانية أمواج نهرنا العذب فارتوت جلود الملح واخضرت مرابعنا ..
اليوم وقد ارتبكت فينا أهزوجة المسرات ونامت المدن على مخاوف الوباء حتى خلعت الشوارع أرصفتها وهاجرت تراتيل المساء , صرت لا أجد من يفتح بوابات النسائم إلا تلك الثلة التي ولدت كي تعزف لحن البقاء وديمومة المسير , أبا زينب سيدي الحسون , أستاذي أنا هنا , ومعك نعبر حدود العالم المكتظ بالجنود والمتسولين , نرسم على جدرانِ خرائب الأرض يقظة الوطن وصهيل الكلمات ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق