نداء الأماني
لبّى نداء الأمـاني فاقتــــفى أثَرا
طيرٌ يرفُّ وراءَ الضلعِ منتظرا
بالكادِ أملى على يومي وصيّتهُ
وفي خشوعٍ نضــا آلامَهُ وسرَى
سَرَى وحيداً على أنغــامِ أغنيةٍ
تقفو ظنونا كثيراتٍ ومـا شَعرا
كم شمعةً أُطفِأتْها الريح يشعلُها
وآهةً من شُغاف القلبِ قد زَفرا
وكم مداراً تخـــلّى عنهُ كوكبُهُ
وأنجماً سقطت من سمتها زُمَرا
هوَ الذي قد رأى حلماً فصدّقَهُ
طفلاً وما زال يقفوهُ وقد كبُرا
ما كان يعرفُ أن النــارَ أولُها
قدحُ الزِناد إلى أن يطلقَ الشررا
كم جاءَهُ برجـــــاءٍ بعد هفوته
أن يغفرَ الذنبَ إحساناً وما غفرا
حتى إذا انهَمَرتْ غيماتُ أمنيةٍ
وظنَّ أنّ بها يُقضـــى لهُ وطَرا
أتاهُ من قوســـها سهمٌ فجندلَهُ
وظلّ من وجعٍ يســــتلُّهُ حَذِرا
كأن تلك الأماني طلقُ معسرةٍ
مسّت بآهاتـها من روحِهِ وترا
فصاحَ ويــلاه ممن قلبُهُ حجرٌ
وما أعاني بهِ فـي يقظةٍ وكرى
كم فتّشَ النبضَ عن شكٍّ يساورُهُ
وراح يبحثُ عن عذرٍ وما عثرا
لا يسلمُ المرءُ من نمرٍ بخافقهِ
والنمرُ يزأرُ أنّى كــانَ مُستترا
أليسَ يَحسُنُ أن يلقــاهُ مبتسماً
إذا أتى باسراً مستبسلاً خطِرا
حتى إذا أطعمَ الأنيابَ نبضتَهُ
رآهُ ينظرُ من بين الجَوَى شَزَرا
فقلتُ ويـلَ فـؤادي من مخالبهِ
وويلَهُ حين يمسي يائسا ضجِرا
هوّن عليه الأسى فاللوم يوهِنهُ
قد كانَ ذلك يـــا منْ لُمْتَهُ قدرا
وقد رأيت الذي ما كنتُ أحسبُهُ
إلا خُضَمّاً على شــطآنهِ جَزَرا
رأيتهُ وهو يُحصي كلّ قوقعةٍ
على الشواطئ من خيباتهِ دررا
فأين منك همو يا صاح قد ذهبوا
ولن يعودوا ومهما كنتَ منتظرا
قد يمموا شطرَ بحرٍ لا قرارَ له
فخذ إذا شئت أن تقفوهمُو حذرا
رأى بأنّ جناح الريـح يوصلهُ
الى الشواطئ يستجلي بها خبرا
وقد تعلّقَ بالأوهــــــامِ بعدهمو
وكم تعلّمَ أن يُغضي وكم صبرا
ومذ تداعت به الآهات واتّقدتْ
نار التباريح أرخى دمعَهُ فجرى
وغادروهُ كســــيرا لاجناحَ لهُ
وخلّفوا قلبَهُ مستوحشــــاً كدرا
يسائل البحر عن سربٍ ألمّ بهِ
عشقٌ فأضناهُ حتى باتَ منكسرا
فأنكرَ الموجُ أنّ السـربَ مرَّبهِ
وما رأى أحـــداً من فوقهِ عَبرا
كثرٌ أضاعوا قلوباً فوقَ موجتهِ
لكنها ســـــلبَتْهُ السمعَ والبصرا
أجالَ طرْفاً على الآفاق يسألُها
هل مرّغيمٌ وهل ألقى هنا مطرا
وهل تدلّت عراجينُ النخيلِ هنا
وهل رأيت على أصقاعهم شجرا
فقوّلتهُ الذي مــــا قــــــالَهُ أبدا
وأوردتهُ الذي ماكانَ قد صدَرا
وذكّرتْهُ بأن الأمــــــر ملتبسٌ
وإن في سمعِ من تسألهمُو وَقَرا
وأوكلتهُ إلى الأيــــــــامِ تنخلهُ
نخلاً بغربالها حتـى غدا نزَرا
وقد تيَقّنَ أنَّ الشـــــوقَ أدركهُ
وإن وحش الأسى قد جاءَ منتصرا
للعشقِ ســـــيماؤه إيّاك تنكرهُ
فاللمع في طرف الآماق قد جهرا
فيهِ نمتْ غابة الأشواق واشتبكتْ
أغصانها وتدلى ســــــهدُهُ ثمرا
واخضّرتِ الروح لمّا عادَ طيفهمو
فراح يقطفُ من أوهــــامهِ قمرا