عاشق البحر ...
الشــاعر طالب عبدالعزيز ...
كتابة واعداد : ناظم عبدالوهاب المناصير
------------
في شــهر آذار عام 2015 ، توجهتُ مع صديقي أنـس عبدالله في يوم عصر جميل إلى قريـة
عويســيان جنوب مدينــة البصــــرة لزيارة الشاعر طالب عبدالعزيز ، بعد الأتصال بـه والتأكـد
من العنوان .. ســـارت بنــا الســيارة في كثيــر مـن الدروب الضيقـة والمـلتويـة ، وأحيانا" كان
بعضهــا متربـا" ... بدايـة لن نهتدي إلى دار ســـــــكنـاه ، لكننـا مـن خلال أتصالنــــــا به للمرة
الثانية ، أستطعنـا مواصلـة الســير ، إلى أن وقفنــا على باب داره فرحين ... كان بأنتظارنـا ...
رحب بنا بوجهٍ مبتسمٍ بشـوش ... صافحنا وعانقنا ... أمسـكَ بأيدينا ، ومن ثمّ أتجهنــا إلى داخل
الدار ذات المساحة الواسعة ، تغلب عليها مساحات حدائقها المفتونة بجمال نخلها وأشـــــجارها
... في غرفة الأستقبال التي تبعد عن المبنى بضعة أمتار ، جلســـــنا سويـة نتحاور بفرح غامر
.. بدا كأنـهُ يعرفني وأعرفـه ُ منذ زمن ... صادف أن رأيتُ صورة ملونـــة معلقـة على الحائط
أمامنـا ـــ تمثل أحد أنهر أبي الخصيب ــ كانت لوحـة جميلـة حقـا"... قال لنــــــا : هذه الصورة
عبارة عن هدية محافظة البصرة لي ..
في زيارةٍ أخرى لـه ، كان بصحبتنا الأستاذ جاســم محمـــــد معروف الذي حاوره بشـــــــتى
أحاديث الساعـة وقتئـذٍ ؛ لكن عنــد زيارتنـا لـه مـرة ثالثـة ، كان قـد دخل البحر منــذ أيـامٍ قليلـة
... يصيد السمك في مديـات البحـر الواسعــة .. كان حبـه للبحر يفوق التصور .. حبّـا" عميقــا"
، فهو دائم الذهاب إلية ... يصطاد السمك ، كما لو أنـهُ يصطاد الأحرف لقصيدة جديدة ...
قصيدة ( فرادي وضجرون وحيارى ) من مجموعته الشعرية ــ طريقان على الماء واحد على اليابســة ــ
لم تأتِ مَراكبُ الصَّـدِ اليوم َ
تخطَّفَ الموجُ العالي بحَّارتها ،
فظلَّوا هُنـاك ...
فرادى وضَجرين وحيارى .
ولأنَّ خاصرتهُ مقاعدُ من جريدٍ وقصب
يدخل باعةُ الثلجِ
من هدم في أضلاع المقهى
مطارقُهم خشــبٌ وعصيِّهم طويلـة.
ظلٌّ أخضرُ من شمسٍ رطبةٍ ،
لا تنفك جائمة" ،
يتبعهم إلى العنابر ِ المالحة
حيثُ يجلسُ النواخذةُ العاطلونَ عن الأمل .
ومنذث شُـقوقِ الفَّجرِ الأولى
ينهبُ الحفَّارُ المدولبُ القناةَ إلى البحر
( مقطع من القصيدة )
ـــــــــــــــــــــ ولد الشــاعر طالب عبدالعزيز في قرية عويسيان عام 1953 ... نشــأ بين
أنهارها وسواقيهـا وتحت ظلال نخلها وأشجارها .. يجلس على شاطىء نهر السَّــــــــراجي ــ
الممتـد إلى مسافاتٍ بعيـدة داخل أراضي القريــة ، والذي يتغذى من ماء شط العرب الكبير ..
يُفكرُ يقرأ ُ و يواصل سِـنة َالحياة مع ملحمة الوجود ، في أجواء باذخة في العطاء والجمال ...
أبداعات الخالق منحهــا لخلقـه ... تســــــري فيـه دماء الشـــباب ... تتجسدُ لديـه الأحرف في
نفثاتٍ تطرقُ كل َ الأماكن ، تلوح في الآفاق لتكون أكبر وأعمّ ... يكبر وينمو ... تزدحم لديـه
مباريات الحيــــاة .. رونقهــا يبهره .. عالمهـا يستعجلـه ، ليظهر ما في أحساساته وعقلـه ...
يسوق خطاه في دروبهـا ، لا يثنيه أيُ شيء ٍ ... يتواصل مع ذاته ، كما يتواصل مع الآخرين
في كل وقتٍ ، ولم يُباغتْنـا لا النخل ولا الشــجر .. نحنُ أستعجلنــاه .. نـدرك أنـه يرتمي فـي
حضن الوطن ؛ وفي أشــــــعاره يذكر البلدان و القرى والمدن ... يستجلي كثيرا" من الأنهـار
والغدران ؛ كأنَّ فلســفته تنبع من عشق الســــفر والترحال .. في كل الأماكن والصيد والبحر
وتلقيح النخل وتطعيم وتقليم الشـــجر ... قصائـــده تحمل على قدرٍ كبير ٍ من نكهـة الصباح ،
مبللـة بندى الظلال وأريج القداح ... نتحسس ذلك الصوت الغني بمادة الحيــــــاة ، من وراء
الآفاق المتعبـة ... يستفيقُ لديه الأملُ ليولد الفرح بأبهـة عالية ، في مشهدٍ واسع ٍ كبيرٍ، يظهر
على قسمات الوجوه ، لتروي نبضات القلب توجهات النفس بكل ما تكتبه الأحلام على لائحـة
دستور الحياة .. قد نراه ينكبّ على أكتاف الطبيعـة ، يستجلي فيها الطير والشـجر، يستمتع ...
يمعن النظر ، على ضفاف الشط والنهر ..
***********
قصيدة ــ مغيب أخضر ــ من ديوان ( الخصيبي )
على ساحلِ آلامكَ قفْ
وانتظرْ ، ريثما تتحطّمُ المرساةُ
نشيدُكَ أنْ تعصِفَ الريحُ بصواريكْ .
أنْ يُغويكَ الموجُ .
هذا الليلُ ســفرجلـةٌ واحدةٌ
وأنتَ أكثرُ من مساء
الماءُ الراعفُ في صدرِ النهر...
والحَجَرُ الذي ينجُو من الإزميلِ
أنتَ ، وأنتَ الأعظُمُ اليائســـة ُ
على مَهَلٍ أتذكّرُ الآنَ أشْرِعتكَ
التي عبثتْ بالأملِ حتى المَغيب. ( مقطع من القصيدة )
ـــــــــــــــــــــــــــــــ شيءٌ يُؤرقَكَ ، وأشـــياء تظل تُلاصقُ الأنســان ، تتعلق بـه حتى أنـه لم
يبقَ من قرصِ الشمـسِ على الروابي المتناثرة ، إلاّ أحمرارهـا في آخر النهــار .. كلنـــا ننتظر
... منذ ولادتنـا ، ننتظر السـاعة أو اللحظات الأخيرة ... فأي صبرٍ هذا ، وأي أحتمال ٍ يطغـى
على الأنسـان ؟ .. كثيرون همُ .. نعم أنتَ قلتَ : همُ كثيرون ، وقفنا بأنتظارهم .. طال وقوفنــا
أم قصر ! .. لكن هل ننتظر بدون طائل ؟ وفي أي مكانٍ وفي أي زاويـة ، ســوف تُحشـر فيهـا
أجســادنا ... إنّي وجدتُ بعض البشر يخصك الســــلام لأنكَ أديتَ رســــالـة ، وأَغْنَيْتَ النفوسَ
بلحنٍ لمْ يَمتْ ، و لـه أن يعشــقَ الحياة َ، ولم يثمر إلاّ لأيقاظ شــرايين الدم ِ النقي لتنزَ وتستنفر
ما فيها من قوة في جريان الدم !!
أطلالات الأيام في طرق مقفرة ، لكننا نسمع تراتيل خرائط الليالي ، يفوح عطرها للغد الآتي
في تأمل يفيضُ بزخم الألفة والمودة ، وتطوف بـه الذكريـات في كل الأماكن القريبـــة ، حتى
البعيدة !!
قصيدة ( العشاء الأخير ) تُذكرني بلوحةٍ عملاقة للفنان الأيطالي ليونادو دافنشي بنفس
الأسم ( العشاء الأخير ) التي رســـمهـا ســــنة 1498 م ، تحتوي على اشــاراتٍ خاصة تتبع
عقيدة ســريـة مخالفة للكاثوليكية ، التي كانت سلطة مطلقة في ذلك العصر ..
أمّـا قصيدتك ( العشاء الأخير ) التي ترتقي إلى قصيــدة البدوي لمحمود البريكان وقصيـدة
( الأجنبي الجميل ) لمصطفى عبدالله ...أنها توميء إلى :
لن يبقى أحد في القاعة
ولذا لن نوصي أحدا" ..
نقودنا في الوسائد ، مع الرسائل والقبل
والشرشف يصبح ابيض،
لكنه في الليل أصفر من الحمى
لم نبصر الصور التي علقناها على الحائط
النسوة الفاتنات والأولياء المحبوبين
وكموشي الأتراك كنّـا ننحشــر
في العربات المكشــوفة .
*********
كنـّا قد أخذنا كل شيء إلاّ طفولتنا
فقد ظلت معلقة في مسمار الحائط
كنّـا نحصي أيامنا فيطول الطريق
نستدين أياما من بعضنا ،
نرتق بهـا أعمارنا ،
فتصل بنا مرّة إلى الليل
ومرّة إلى الفجر ..
وقلما تصل بنا إلى البيت.
********* مقطع من القصيدة ( العشاء الأخير ) ديوان تاريخ الأسى
ــــــــــــــــــ يقول الأديب رياض عبدالواحد في معرض حديثه عن الشاعر طالب عبدالعزيز
ضمن كتابه ( اللؤلؤة والمسبار ــ صفحة 73 ) : الشــــــعراء البصريـون القلائل الذين يُشكل
المكان عندهم هاجسا" ، رؤيويـــا" ، بل أن أمكنتـه أمتداد لروحـه حتى أنـهُ يتخذ عندهُ بعـدا"
فلســــفيا" ، إذ أنّ أمكنتـه ، أمكنـة أشــتماليـة ، بمعنى أنهــا تمتـدُ في أزمنـة مختلفــة ، أنهـــا
أمكنـة لا تجدهـا الجهـــات الأربع والأموال المصروفة ، ولا يضمهـا زمـن ، أي أنّ زمنهـــا
زمن ســيال لأنهــا في ــ الأصل ــ أمكنـة مفتوحـة على الحياة ... ــ أنتهى ــ
لذلك أيهـــا المبدع فأنّـكَ تبقى في لوح محفوظ بقلوبنــا ويطيبُ لك عبـق الأرض التي تقف
عليهـا وتحت ســمائهـا ، تُخاطب زارع الظــلال في كل الأمكنـة في قمم الجبــال وفي أقصى
الجنوب .. تستحوذ عليك ( بشاتِك) الأرض ومَتْنِهـــا وماء سـواقيهــا وغدرانهــا .. يا لك مـن
عاشق ، يتيــه بكل الأودية والشطآن ، حتى البحار رسمتها في قصائد جميلة ..
ــــــــــــــــ ( زارع الظلال ) قصيدة من ديوان ــ طريقان على الماء واحد على اليابسة ـــ
أمسِ ، وقَبل َ أنْ يخلعَ الفجرُ جبَّتـهُ
في ثنيِّـةِ بيتِنــا الَّذي على النَّهــرِ ،
جاءَني ببذُورِ أزهارِ الشَّمس ..
والبلابلُ لّمــا تكدْ تُفْرِدُ أجنحَتها
قالَ : الوقتُ متاخرٌ لزراعةِ الظِّلالِ ،
وهذه الفَطيمـةُ من النَّخل ، دعْها لي
أسقيهـا يوما" ، وأترُكهـا يومَينْ
سأجعَلُهــا مائلـة" للمشِّرقِ قليلا"
ولكي لا تأسَ ، على ما فاتَهـا من الشَّمس ِ
سأقرِّبُهـا إلى التِّرعـةِ ، التي عِنـدَ خميلـةِ الوَرد..
هناكَ ، ليسَ بعيدا" ، في المَتْنِ ،
الذي يلي شجرةَ التوتِ الكبيرة
وكما لوْ أنّـهُ يُحصي الظَّلالَ ، تحتشدُ ناعمة"
دسَّ في حلقومِ الأرضِ حفنـة"
من بذورٍ كانت بخبيئتِه،
ومن ساقيةٍ تنكفىءُ بين َ الفسائل
غرف َ بيديه الماءَ لهـا ، فأرتوت..
********
إنّ الحياة بكل الرضى عنهـا ، أو عدم الرضى منهـا ، نجـد الشاعر طالب عبدالعزيز يقترب
من فلسفتها الغائرة بعمقٍ في كل مصطلحاتها ، فتأخذهُ ما بين إتساعٍ وضيق وأفراح وأتراح ...
أنه يؤكـدُ معرفتـه لهـا، بأنهـــــا لا تستقر على حالٍ واحــدة ، فمرة صعود ثمّ أنتكاس .. قد يلي
ذلك بهجة أو تعاســة ، وما على الأنسان إلاّ أن يبصم وينتظر ، فالقبور لا يغطيهـا إلا الرمال
والتراب ، وتمضي بها السنون لتمحوها الرياح الذارية ..!!
ـــــــــــــــــــ قصيدة ــ الخزافون ــ من ديوان تاريخ الأسى ( مقطع منها )
يخلفون بهاءهم ويرحلون
تاركين على المعاول
ذكرى قبضاتهم
وفي السنادين أسرارهم وسجاياهم
وعصرا" خالدا" من فحولة وضغائن
تسفهه العربات .
لقد اخذت الغربة مؤنسيها
وأستعمل الموت نصّاحه
وها قد لفظ الأفق
طائفة من حمرته على الأرض
وأنبت فؤاده على الشرفات
*******
( في البيت نخلة تتفقد فسائلها
سرا" فلا تجدهـا ، وفي الصبح
يغيبهـا الجنـد في الشاحنـة )
الخزافون رحلوا أول الفجر
وكأنْ لا أمس ليومهم
ولا نادى عليهم الطلع
ولا أستوقفتهم الخزامى
ولا تعلق بأقدامهم العشب
********
ولابد لي أن أشير ، حينما أستوقفتني كلمات الشاعر الكبير سعدي يوسف عن فضاءات ديوانه
( الخصيبي ) قرأته مرة واحدة وتراني أنبري لقراءته مرة ثانية وقد أقرأهُ مرة ثالثة ورابعة !!
ـــ سـعدي يوسـف يقول : ليس مروءة أن تترك الصفصاف ... تتحدث عن أصفرار الوقت ...
لقـد تعبت َ كثيــــــرا" ، لتنــأى بفنك عن الأنعكاس الميكانيكي وتعلو بهذا الفن إلى حيثُ بلغتَ
... هل كتب طالب عبدالعزيز شعرا" محليــا" ، كما تُغري التفاصيل ؟
الرجل كما قال : أمين على السعف والقصب والحلفاء والســــواقي الممتلئــة ، لكنـه يخدعنـا ،
المحليـة قناعه ، وأداته ، لكنه سيوظف العناصر المحلية المتاحة ، في تصعيد ٍقد يبدو مفاجئا"
، كما في قصيدة " في شرفة قصر السراجي " أو حين يقطع خطفا" قرونا" من تاريخنـا !!
هو يقرأ الريف ، كما يقرأ المدينـة بعيني صقر ... أحتفل على طريقتي ( الخصيبي ) نصــا"
وشخصا" ـــ من ديوان الخصيبي ــ
ـــــــــــــ قصيدة ( في شرفة قصر السراجي ) ديوان الخصيبي ــ مقطع منها ــ
في القصرِ الذي شيَّدهُ الرئيسُ
على النهر ِ المُّسرح جنوبا" ...
حيثُ لم ْ يعُدِ الخشبُ سفُنـا"للصيَّد ِ،
ولمْ تعُد الريحُ أشرعة" تتمزقُ أعالي البحار.
على الصَّخرةِ الرَّعناءِ هذه ،
حيثُ أطلَّ من شرفتِهِ قُبالة َ المَرّسى
قبلَ عشرين َ عاما" ونيّفٍ ..
حينَ مدَّ يدهُ تجاه الشَّرقِ ،
ليشيرَ إلى ما وراءِ النَّخلِ
ولتُصبحَ المدينةُ بلقعا" فيما بَعْد
هنا ، على كُرسيِّهِ الأبنَوس ِ ذاتِه
بِمسندهِ المحشُوِّ بلأصدافِ
جلسَ القائدُ الأنجليزيُّ..
ليسَ قُبـالةَ الصورةِ الملكيِّة بالضْبط ،
في القصْرِ الذي صارَ قُنصلية" الآنَ
جلسَ وحيدأ" ،
يُحدَّقُ في الزُخرُفِ العبَّاسيِّ المثُمنِ
********
حتما" عندما يكون بأمكاننا ، أعطاء نظرة خاطفة لمعظمِ أشعاره فأننا بالتأكيد نســرحُ بعيدا" في
أجواء الأحرف الرزينة التي تفي مقاليدَ وترية أنسانية منها ينطلقُ ومنها نحس به يحمل أبريقا"
ملونــا" يسبغ ُ منـه علينــا فيضَ عطرٍ ينفذ في دواخلنا تؤطرها نزعــــة غنائيـــة في تأملاتـــهِ
وأرهافاتـه الحســية الصافية ، طالما ينعدم فيها النشاز الموســيقي وتنحسر منــه كافـــة الألفاظ
السلبية ...
ـــــــــــــــــــ قصيدة ( الأسئلة ) من ديوان ــ تاريخ الأسى ــ مقطع من الفصيدة
كم من الرؤى
في حقيقة واحدة ؟
كم يراد من النجوم
لتغيب الشمس إلى الأبـد ؟
بكم شقاء نردم البحر ؟
الملوك كم يريدون من التنكر
كي لا يكونوا ملوكا ..؟
بكم عناق تفي الضلوع بمودتهـا ؟
لأي فجر أسود
أختفت النوارس ؟
الندى كم يريد من الغصون
ليوهم الزجاج ؟
وكم يراد من المأذنـة
أن تنال من السماء "
كم نريد من الأطفال
كي نستغني عن الحدائق ؟
كم يراد من الشجر
كي تحتفظ العصافبر بأعشاشهـا ؟
********
ربما أجـدُ الشـاعر طالب عبدالعزيز متأثرا" بوصايا بعض أئمة الهنود لأتباعهم ، ولم تكن
أحـدى الوصايا خاليـة من عنصر الفهم والتبني الأنســـاني ــ الذي نرجو منــه أن لا يزول ــ
.. وكذا جاء شعره الوجداني المعبأ بالعطاء والتخيلات في واقع منهك ومر... فهناك وصيــة
تقول ( لا تكلم الآخرين أبـدا" بطريقـة ســيئـة ، فالطاقة الســـلبية التي تبثهـا في الكون سوف
تتضاعف عندما تعود إليك ) يستحضر هـذه الوصية ، يتقيــد في نصهـا ، ينهض بعقلٍ وقلبٍ
على حـد سواء .. فكر وعاطفة .. تنصبان في بوتقة واحدة وبمعنى أنساني غيور ..
لا يستطيع طالب عبدالعزيز أن يبثَ كلمات قـد تسيء إلى الآخر فربمـــا تنطوي على ضجــة
جارحـة تزيـد أو تضاعف صفــة العنف أو القتــل ... والأفكار اليائسـة تبدو أنهــا تفتح معظم
الأبوابَ في شرذمة النفوس وخذلان الصدق بين الناس ...
طالب عبدالعزيز ، لا زال يعطي ويعطي ، ليأخذ من لـه حاجـة من طبق هذا العطاء !!
ـــــــــــــــــــــــــ قصيدة ( على جسر المحبَّة في البصـــرة ) من ديوان ــ طريقان على الماء
طريق واحـد على اليابســة ـــ مقطع من القصيدة
ما كان في الأ ُبّـلـةِ ــ على عظمهـا ــ سوقٌ للرقيق
يقولُ الأصمعيُّ : وليس فيها مَنْ لمْ يأخُذ ْ عن النَّخلِ
طبعَ الميلِ والأرتواء ..
وعن ِ اليمامِ ، الذي يتهادى الأجنحةَ بينَ الشماريخ
فِقهَ القبلِ وقراطيسَ العِشقِ والمحبّة.
نساؤهم يجئْنَ بالمَودة خالصة" ، مع اللبنِ
والخُضارِ والفاكهة
إلى سوقٍ بالبصرة القديمة ..
وبأصابع َ من صَفصاف ٍ وحنّـاء ،
يضّفرنَ من الخوصِ البليلِ المراوح َ والسِّلالَ والقبّعات .
وما كنّـا لنعرفَ في المدينةِ يوما" صنّاعا للسُّيوفِ،
ولا الرماح ..
ولا سُرجا" مسلوخاتٍ من الضَّواري
وسوى الشَّمسِ ،
التي غالبا" ما تركب ُ ظهرَ سعفةٍ وتروح .
لم تحمِل السَّماءُ إصَّرا" على أحدِ
*********
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ناظم ع. المناصير .....