تكسرت ...أوتار نيرودا*
سامية البحري /تونس
ترجل الشاعر الكبير رائد المدرسة الشعرية الحديثة عبد الجبار الفياض فجأة ..في صمت ..
فكانت الصدمة للساحة الثقافية العربية. .
مخلفا وجعا في القلوب ودمعا في العيون بين محبيه ورواده وأصدقائه ..
أمام هذا الحدث الجلل ليس لنا سوى الكلمات
الكثير من الحزن والوجع والألم وحفنة من الكلمات ..
ليس رثاء ...بل كلمة حق أمام التاريخ
فالحكماء لا يموتون ..بل يصعدون...يصعدون ...!!
_______
تكسرت ...أوتار نيرودا *
صفير ...في مزامير نيرودا
تلك الرياح الخفية تتسلل متسترة
تمشي في هدوء ..
تغدر...تلدغ كأفعى..
تمتص كل الرحيق
نذبل كأوراق بلا عروق
سرقوا منها الماء والهواء والشمس
زجوا بها في علبة مغلقة
عبثا ..نحاول كسر الجدران
عبثا..نحاول تسلق الأسوار
تلك القوى الخفية تأتي ساخرة
تكشر عن الرماح
تمزق الروح ...
كأسمال يتيم ملقى في مستنقعات الذل
كيف يرحل القادمون بالرايات الحمراء؟
كيف يرحل خليل الثوار والقضية ؟؟
أيها السومري*
هل تواريت بعيدا لتضمد تلك الجراح ؟
ثم ...تعود ...؟
حتما ستعود ...؟!
الثوار ينتظرون في ساحة الشهيد
حلقوا إليك بعيونهم الحالمة
والأطفال. ...؟؟؟
يلوحون لك بالمناديل والأمل يشرق في الجفون
أطفال العراق يستبيحهم الوقت
يسرق أحلامهم ..يمزق أوصالهم
في بلد الذهب الأسود
أطفال العرب يقدمون قرابين حتى يستمر الملك
في سقيفة بني أفيون
يتعاقد السلطان والشيطان
فوق جسد أمة مقهورة ..مغتصبة كل حين
والقصيدة !؟
تنتحب ..القصيدة ...
هدموا أوتادها وسودوا تاريخها
تطاول عليها الأوغاد والأغبياء
حتى الحمقى..أصبحوا "شعراء"
زورا وبهتانا لبسوا الرداء
لكن الرداء منهم براء
أيها الراحل بلا عودة ..!
هل أحرقك الشوق للبدر *
فصعدت إليه في خلسة من روادك
يا ألله
ما أشد الصعود إلى السماء !
وما الرحيل !؟
الرحيل هو الشيء الوحيد الذي لا يخبرك عنه قبل أن يأتي
الرحيل الأبدي كالعشق الأبدي
بلا ميقات ..ولا حين
كلاهما يباغتك ..فلا نملك إلا أن نسير
هناك شيء يمشي بك إلى تلك الدروب
لست أنت ..أنت ...
وفي العمق أنت ..ذاك الروح الذي لا يقبض إلا على التيه ...
الرحيل ...
مقامات عشق
الموت عاشق عربيد حين يختارنا يتوغل دون استئذان...
يتجول في بستان الحياة
يقلب بصره في الثمار وقد أينعت
يقطف من تألق وائتلق وتمرد أكثر
يقطف كل من قرأ في عينيه الممنوع
يقطف كل من مشى على الحديد وتحته بركان
ورفع الغطاء عن المستنقعات الآسنة
يقبضه بملء الحميم
ما بقي في البستان سوى الهشيم
وبعض الأوراق الخضراء وهي ترتجف
يقتلها الحزن على الراحلين
والمدن ..المدن تحترق بنيران التتار
والسندباد يمكث حزينا فوق خارطة الوهم
وبغداد ...بغداد ....!
ترتدي الحداد والدمع
(بغداد
يمازحها الزمن حتى في أيام الحداد
بليل شهرزاد
تكتحل..
آه
أن تزور هذا الحزن مسحة حزن
غاب في نفسه
دخلها بمخلاة خبز وتمر
ربما وجدها سدرة
تغسل رؤوس الموتى
صوت تسمعه الديكة
قبل المآذن
(ما في الجبة إلا الله )
ذهب يمحو آثار صوته
خرج من موته
فوق رأسه للطير مائدة
يحمل خشبة صلبه
ينتعل رأس وزير
بدمع ودم
يكتب لبغداد آخر قصيدة عشق )*
لماذا نأتي. ...!؟
لماذا نقهر ..لماذا نحزن ..؟
لماذا نقبل ..لماذا ندبر..؟
لماذا نتطاحن..لماذا نتباغض..لماذا نطعن ...؟!
ونحن نموت كل يوم أكثر ...!
أيتها السماء
امطري..امطري ..امطري ..
اغسلي أدران القلب والأرض
أصيح ..بملء الحرف
أي حزن يبعث المطر ؟
يأتيني الصدى من البصرة *
(أتعلمين أي حزن يبعث المطر ؟؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع ؟
بلا انتهاء_ كالدم المراق،كالجياع،
كالحب، كالأطفال، كالموتى _هو المطر ) *
وأسقط...كورقة اغتالها الحزن والوجع
كم خسرنا من ذاكرة هذه الأمة؟ ؟
وكم سنخسر أكثر...!
وأتهاوى...
لم يعد في القلب متسع للوجع أكثر ..!
_________
هوامش
_نيرودا : أكبر شعراء تشيلي واللغة الإسبانية. .عرف بمواقفه الجريئة والأكثر شغبا في تاريخ الشعر الإسباني. .
اتخذ منه الشاعر عبد الجبار الفياض رمزا في قصيدة تحت عنوان "تأوهات نيرودا " وقد كانت موضوع مشروع نقدي حول القصيدة الحديثة عرض على الناقدة سامية البحري باتفاق بين الشاعر و جامعات عراقية ليكون مصدرا للدارسين في كليات الآداب واللغات في جامعات العراق ..وهو بصدد الإعداد. .أمانة أحملها في عنق قلمي ..بإذن الله. .
_السومري :الشاعر الكبير عبد الجبار الفياض
_البدر : الشاعر الكبير بدر شاكر السياب وهو الذي كان له الأثر الكبير في تجربة شاعرنا الراحل الفياض
وكانت بينهما وشائج ومسالك عديدة
_البصرة :مدينة عراقية موطن ثلة من المبدعين الكبار منهم الجاحظ والفراهيدي والسياب والفياض
_____
ويستمر الحزن ...ونمضي ...ندري ..ولا ندري ...
وفي كل خطو فاجعة أخرى وسهم مسموم في جسد هذه الأمة المكلومة. ..!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق