بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 24 يناير 2022

العاشق المجنون والراحل دون وداع الشاعر جبار الغزي/ في رحاب قلم الأديب قاسم وداي الربيعي/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

ما بيه أعوفن هلي لا بيه أعوف هواي 
گلبي نسيته اهناك ياهو اليدوره  وياي

الشاعر جبار الغزي 
 العاشق  المجنون والراحل دون وداع 

          قاسم وداي الربيعي 

 في ناحية الفجر \ قضاء الرفاعي كانت صرخته الأولى 
ذي قار \ 1946 , المولد أسمه جبار عبد الرضا الغزي 
لم يمكث طويلا ,  حتى غادر مع عائلته إلى مركز المدينة \ الناصرية 
الناصرية التي منحت الوطن كبار مبدعيه , لكن الغزي سيكون أزمة هي أزمة الشعر والحبيبة  , و المنفى الكبير في محطات حياته  , في الناصرية تعلم أن الأرض صادقة ولا تجيد الكذب ولبس الأقنعة , فأرتدى لباس الأرض و عشق بكل مسامات جلده , هكذا هم أبناء الطين والقصب , وأبناء سومر التي التصقت حضارتها بأهداب ساكنيها , فكان الثمن – هو جبار الغزي الشاعر والإنسان والعاشق المجنون ,
لحن خط على سلم الموسيقى الحزينة
كتب على قائمة الرحلة الموجعة 
مشى بخطواتٍ صوب المدن 
المدن التي استقبلته وحيدا 
دخل صناعة السماوة عام \ 1962, بينما أكمل الإعدادية في مدينة البصرة  \ 1968 ,  ثم غادر إلى بغداد  وعين موظفا في وزارة الشباب , لكني لم أقف على حقيقة عمله ولماذا تركه وأخذ يمتهن البيع على الأرصفة ..فقد حدثني صديقي الشاعر عبد الحسين فرج قال : لقد كان لديه جمبر ويبيع ( الحب والجكاير ) وكان يرتدي معطفا حتى في فصل الصيف , يقول كنا نجمع له الدنانير في سبيل العيش وقضاء حوائجه لكنه يذهب ليقوم بتوزيعها على الفقراء , وكانت أمه تأتيه بين فترة وأخرى وتجلس معه في ساحة التحرير , ودائما ما تجده يتسكع في شارع النهر وينام على برودة الأرصفة , وينتقل أحيانا إلى ساحة الميدان  , هكذا أخبرني صديقي الشاعر عبد الحسين فرج ..

        بدأ الشعر مبكرا , حين استقرت به الرحلة في الناصرية 
أختلط بشعرائها فأخذ الجمال وسكن أوردته , مع زملائه أقاموا أول مهرجانا للشعر الشعبي في العراق \ الناصرية,  كان ذلك بعمر الصبا عام \ 1969 ,  جبار هذا أحب فتاةً في ريعان صباه , أحبها بقلب شاعر وأحساس مجنون , فمنحها قلبه و وجه وماء رجولته ,  كانت  خضراء بلون الحقول هي من الفجر  , الفجر التي تفتح صدرها على حناجر الشعراء , وبادلته المشاعر بكل أنوثتها , كانت متأثرة بشخصيته العاطفية جدا , فهو شاعر يفيض محبة .
يكتب لها الرسائل على هيأة قصيدة 
فكانت رسائله قصائد . تأتيها مثل وخز الدبابيس
عمل بكل قواه . كي تكون تلك الفتاة مركبه 
خاطب الجميع , طرق لأبواب وغنى على مفترقات الطرق
كل ما يحلم به , زوجة تسكن خاصرته
تطعمه الهواء والسحر 
تناديه باسمه حين تحاصره الأزمنة  
   غير أن وضعه الاقتصادي كان سببا كبيرا لرفض أهلها  , عدوه فقيرا معدما ومثله لا يتزوج بنت الأكارم  كما كانوا يعتقدون ,غير إنهم لا  يعلمون أن العاشق هو جبار الشاعر وهويته الناصرية حاضرة الكون   ,  لم يبق أمام جبار بعد أن فشلت محاولاته إلا الرحيل والاغتراب , عليه أن يهرب بعيدا عن موطنه , لأنه يرى أن الشوارع والأزقة والأبنية والأنهر تناديه باسمها , فقرر الرحيل ..
عذاباته هي سيدة من الفجر , سكنت تجاويف قلبه
غادر الناصرية مرغما , وجهته بغداد 
عله وسط مدينة كبيرة يخلع كابوس عشقه ويكمل المشوار
فعاش غريبا , الشوارع لا ذكرى فيها 
الوجوه لا تشبه وجه حبيبته , مختلفة تماما 
طقوسه المشحونة بحب الجنوب 
تبدو مثقلة قامته , إنه يحتاج إلى النسيان 
أو رغبة للنوم على أرصفة مدينة الناصرية 
جبار الغزي , في بغداد لا بيت له 
لا أهل له !
غرف الفنادق الرخيصة هي ملجئه الوحيد
حين يسكن الليل تزوره  حبيبته مع أول كأس
يستذكرها فتفيض عيونه , ويطلق عنان الشعر 
( وهيسك جرح بجروحي 
يمرمرني وتحن روحي 
تفز أجروح  محنه أتفوح 
 غريبه الروح )
حين يشهق بالحنين لا صاحب له , يحمل عنه محنة الجنون والاغتراب
إلا الكأس والشعر , يقضي أغلب وقته متسكعا , ما بين شارع الرشيد والباب الشرقي ,  أينما حل تقرع في رأسه ذاكرة الحب الذي أرهقه , وبغداد كلها لم تمنحه أمرأه لــتكون عونا له ,  بقى أشبه بالنعش المحمول على أعمدة النور ,  تجاوز الأربعون وذقنه يمتد على صدره , وهو يلهج باسمها , المنقوش على الوريد 

(   بس ولعونا ومشوا حگ العرفناهم
تسعر ولا تنتهي نيران فرگاهم
ليله وهجرها الگمر روحي بلياهم
يلواعدتني  ورحت ليون حد الصبر
محتار لاني  الهلي  ولايمك أگضي العمر )

عشرون عاما لم يزره أهله ولم يسمعوا أخباره , في بغداد ابتلعته الشوارع والساحات , رزقه ( الجنبر ) سكائر وبعض حاجيات , منها وما يجود به الأصدقاء يلتهم طعامه على الرصيف , وينام ليله في فنادق ( كرادة مريم ) قبل أن يتحول إلى جهة الرصافة , ومع كل هذا البؤس  و الغزي جبار لم ينس أبدا تلك الحبيبة التي صنعت منه شاعرا يتسابق عليه المطربون الكبار أمثال حسين نعمه وسعدون جابر وقحطان العطار وكمال محمد وغيرهم , يجلس والصمت يملا تقاسيم وجه , كأنه يقول للمارين أمامه , إياكم و الحب , و شرقنا لا يجيد إلا النفي ومحاصرة الضياء 
 الغزي حبس سنواته كلها في غرفة الفندق البائس كما يحبس قلبه تحت أضلعه , ويقذف الحسرات كلما تذكر أهله وأمه وأخوته , حتى جاءت أمه ذات عام بصحبة أحد أبنائها إلى بغداد   لزيارة مرقد الامام الكاظم عليه السلام , وهي كانت تعرف أن أبنها جبار يبيع السكائر على أرصفة شارع الرشيد , فرفض الأبن زيارة الأم لأبنها , بعد أن شاع عندهم أن جبار ينام في الساحات مخمورا , لكن شاء القدر أن تقف السيارة التي تقلهم في شارع الرشيد فأخذت الأم تطالع الوجوه فلمحت من بعيدٍ ولدها جبار وقد علاه التعب والأعياء والكبر, فخرجت وهرولت نحوه وصوتها يملا شارع الرشيد ( ولك يمه جبار ) فاحتضنته وبكت بكاءً مرا ,  وبلهجتها الجنوبية تعاتبه ( جم عيد الفات وما أجيت ,  جم هلال مر وما جيت انتظرناك هواي يا يمه ولا بينت ) بينما  جبار الغزي صامت كعادته , وماذا يقول في حضرتها وهو العاشق المندحر المخذول , فحين غادرت أمه لم يتماسك عيونه فذرف الدمع وسقى لحيته بملح اللوعة والمصير , فكتب الأغنية المعروفة 
جم هلال هلن 
وانت ما هليت 
جثيره اعياد مرن 
وانت ما مريت
سنين الصبر حنن 
وانت ما حنيت 
ترف ما حسبت بية 
واني وغربتي وشوكي 
نسولف بيك ليلية 

فهي يراها عافيته التي فقدها على أرصفة شارع الرشيد
ما بين ( الجنبر ) وحانات بغداد القديمة , حتى شعر بالمرض ذات ساعة , فتسجى وحيدا , 
لا بيت له
لا أهل له
لا زوجة له 
لا ولد له 
وجدوه صباحا أسفل جسر الجمهورية 
وقد خط على التراب نهايته 
عشرة أيام , دون أن يورى الثرى 
الغرباء , يدفنهم الوطن 
فيخلدون في دفاتره البيضاء
ليرحل بصمتٍ ودون ضجيج 
كان ذلك عام 1985 
ثم حملوه إلى الطب العدلي  في الباب المعظم ليبقى عشرة أيام دون أن يسأل عليه سائل , بعدها اجتمع عليه بعضهم فشيعوه كما يشيع إي مبدع من مبدعي العراق , ليرقد بسلامٍ بعد أن ترك خلفة قصائد تضج بالوجع والإبداع .. جبار الغزي الشاعر المتمرد الذي انتهت رحلة كأفضل شاعر تعامل معه مطربي ذلك الزمن .. لروحه الرحمة والغفران 

                      بغداد  \   2022

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق