بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 29 يناير 2022

النعي طقس جنوبي يرافق النساء : بقلم / الأديب قاسم وداي الربيعي/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

وديت يا يمــه تجيــن
     وحدر المطر والغيم تمشيــن 

النعي , طقس جنوبي يرافق النساء 

               قاسم وداي الربيعي 

كثيرة هي المناسبات والمواقف التي جعلت من المرأة الجنوبية تطلق الشعر والنعي , حتى عرفت الكثير من النساء في الأوساط العشائرية خصوصا في بيئة الأهوار والريف , وكانت القبائل تستدعي تلك ( الناعيات ) إلى المأتم , وينتشر هذا النوع في الأوساط النسائية ولا يحصر في مدينة واحدة بل يكاد ينتشر عموما في جنوب العراق والفرات الأوسط ,  ولأنني أنتمي إلى تلك البيئة الجنوبية سأقف عند النعي الذي يحبه الرجال ويستمع إليه حتى من غير بيئة الجنوب , لكن المؤسف إنني لم أحصل على أسماء كثيرة من الناعيات  وذلك لقلة التوثيق وعدم الاهتمام  , غير إنني سأكتم أنفاسي وعدم ذكر أسماء بعضهن بل اكتفيت بذكر أبيات النعي وهذا ما يهمني ..
        المواقف التي تزدحم وتضج في صدورهن  هي التي تستدعي المرأة إلى النعي والشجن  , فإذا استثنينا مناسبات العزاء وهذه ظاهرة معروفة , حيث تأتي المرأة ( تلاجي ) وهناك تصدح حنجرتها بذكر المتوفي ومحاسنة ومواقفة , ولأنها صاحبت صوت جميل ولها القدرة في أطلاق الشعر بشكل بديهي ومباشر , ينتشر أسمها في مجالس النساء وتعرف عند الجميع , لكن هذا لا يعني أن بقية النساء لا تجيد النعي , بل تكاد أن تكون النسبة الأكبر من نساء الريف يجدن النعي , فيمارسنه في بعض الأوقات لظروف كثيرة  سأتطرق لها وباختصار شديد  .
   ممكن أن يكون  الظرف الاقتصادية والمعيشة الصعبة تدعوا المرأة إلى استذكار ما كانت عليه من الدلال و الرخاء  وهي في بيت أهلها , أو قبل أن تتعرض إلى محنة الفقر والجوع , والمعروف أن بيئة الريف تعرضت إلى شتى المحن فالعوز كان رفيق الجميع  .. فتقول 
             مرت عليّ بت الخرية 
            سلام ما سلمت عليه
            من شافت أحوالي رديه 
           على الله على الله يا بن أمي

      وحين تريد المرأة أن تنعى تتخذ لها مكانا خاصا , ربما على حافة النهر ( جرف الشط ) هو المكان الأفضل لديها كما شاهدته في طفولتي حين كانت أمي تبكي على أهلها الساكنون في بغداد أو على أبناؤها الذين افتقدتهم  لأشهر وهم  لأبن الأكبر في الخدمة العسكرية والأخر يدرس في بغداد , فهي تشتاق لهم وتحن إلى رؤيتهم , والنهر أو الشط  كما يطلقون عليه أهل الجنوب هو الذي تسير فيه الزوارق البخارية ( الماطور ) وعادة ما يحمل الماطور هذا العائدين من السفر إلى بيوتهم , لذا تجلس بمحاذات النهر وتسترسل ندائها المشبع بالحزن واللوعة ..
             جني افكدت عزي ودلالي 
            وضل من اهلنا البيت خالي 
            حرمة وادور عين والي
           جنهم  نسونا احاباب كلبي مجيد يمه
ثم تستمر على هذا النداء , حتى ينبري أحدهم ويقول لها ( كافي خويه موتي روحج ) بعدها تختم جلستها وتمسح دموعها وتنهض كأنها موكب جنائزي ..
              يجواد غيبتكم طويلة
             حملي وكع محد يشيله
             كلوله تنزل بالحدود
            اذب العليها  وتلبس السود
            طال السفر ما ظن يرجعون 

  غير أن المرأة في الجنوب  كلما حاصرتها الأزمنة وتعرضت إلى ما يسرها تجدها تندب أخوتها , و الأخ عن المرأة الجنوبية  عالم من المحبة فهو عندها بمثابة الجدار الذي تتكأ عليه , فهي تشكي كل همومها إلى أخيها , حينها كان الأخ يقسم باسم أخته وهو يبادلها نفس الشعور , فكيف بها وجميع أخوتها بعيدون عنها ويسكنون في محافظات شتى , هنا تختار المكان المناسب للنعي والبكاء فتذهب إلى ( الدار ) المكان الذي كانوا يسكنون فيه قبل رحيلهم , والمكان اليوم هو مجرد أرض بلا أطلال ربما النخلة هي الوحيدة التي تستدل بها إلى أثار ( الربعة أو المضيف ) لكنها تستنشق رائحة البيت حينما كانت صبية في بيت أهلها و وسط أخوتها ..
             اليوم روحي تريد وتريد
             خويه تريد ملكى وي البعيد
             مريضه وعيب الحج الونه
             خويه لو تجون اليوم كلكم
             أفرش فراشي وأدير يمكم
          عميانــه على الزينين عينـــي ...

           شمالج يا دارهم مني تطردين
          وباطل عتبنا وي المحملين
         ولك يلحملتهم جا دربك منين 
        ولك خويه 
         ما حمليت من حملوا ما حمليت
          وبضعونكم ما جلبيت 
         سودى عليه يوم ضليت 
        بشلوه وتبدى الماي مني 

   وتبقى الشكوى مستمرة  عند المرأة (  المكروده )  , لكن هنا  ستكون الشكوى قاسية  ومضنية , فحين تشعر بالمرض وتنقطع بها السبل  وعدم مجيء أهلها إليها  تلجأ إلى الطبيب , لكنها هذه المرة تلجأ إليه وهي ضعيفة دون الوالي ودون الاهل , فتجهش بالبكاء بصورة حزينة لا مثيل لها , وهي مؤلمة حقا ..

            خويه اروح للدكتور أضيفه
            أجابله وأخذ رغيفه
            وأكله المريض شلون كيفه 
            ما جوش أهل كَلبي وأكلهم 
            أنا مريضه وعيب انامن ولك خويه

      وفي أحيان كثيرة يجتمعن النساء على شكل حلقة يبدأن الجلسة بالمسامرة والسؤال عن الأحوال والزراعة والأولاد ,  حتى إذا مضى بعض الوقت تبدأ العيون غارقة بالدمع وتحمر الوجنات وهن يستذكرن الأهل ويستذكرن الزمن الجميل وكيف غادر الأهل و رحلن الأمهات , هنا يبدأ النحيب لكن بشكل مختلف , فتتبادل النساء الأدوار ويبدأ النعي مشترك وكل واحده تروي روايتها في بيت نعي يفيض حزنا وألما , وتكون البداية مع صاحبت الصوت والمعروفة بينهن , وعادة ما تجلس في مقدمة الحلقة أو المجلس ..
             اريد اليجرني من عباتي
             ويكلي عندي الليله باتي
             انتي الحنينه من خواتي
             راح الولي خايب يكلبي

 فتبادر أخرى في بيت نعي مشابه الى البيت السابق فتقول :

اريد اليكلي وين تردين
عندج بهل ديره حنين
خويه حملج على الراس وعلى العين
خويه داخلتك على الله جاش سوي

بينما أخرى يبدو إنها على خلاف مع أخيها , فتشكوا الحال وترثي مواجعها ..
            أخوي التعشا وأبني أحذاه
           لا صالحه  ولا   وكلاه
           يخاف من مرته أتولاه 
       عمت عينهم كف ضعنهم 
ثم تبادر أمرأه أخرى لتواصل الجلسة  , فمن الضروري جدا أن يشاركن جميع النساء , وكل واحدة لها همها ولها خطابها .
       اطيت الغريبة شحم اديه
      وحسبالي الغريبه اتصير أخيه
      ثاري الغريبة سموم حيه
وليس بغريب أن تتذكر النساء أمهاتها , فالأم تسكن الأوردة وصورتها مرسومة على قوس الحدقات , الأم التي لم تحضر أبنتها التي تعرضت إلى المرض الذي أجلسها البيت , وهي التي بعثت لأمها  العديد من الرسائل والرسل , لكن يبدو الأمر قد أخذ مأخذ النسيان أو لأمر ما ..
     وديت يا يمــه تجيــن
     وحدر المطر والغيم تمشيــن 
     ولفي حزامج لا توانين 
وبلكت على وناتي اتلحكين 
 مريضه ومكدر الونه يا يمه

وهكذا عاشت المرأة الجنوبية تلك المرحلة الممتدة من أزمنة عميقه كانت فيها البارعة وصاحبت المواقف , لباسها الحكمة والصبر , أخرجت من صدرها الحنان وأنجبت الرجال , كان يختلط دمعها مع الخبز , وبقيت عيونها مبلولة من أزمنة لاحقتها , ترتدي الثوب الأسود المرصع بالعجين , بينما ( عصابتها ) كانت ملجأ إلى الكبرياء والمسك , لم يمنعها ضنك المعيشة من أن تمنح الوطن خيرة رجالاته , فمن فم الهور ومن مدارس القصب تخرجت الأجيال والتحقت بركب الحضارة والمدينة , وحين تقف على خيرة أسماء الوطن في الطب والأدب والرياضة والهندسة تجدهم من رحم تلك الأمهات الطاهرات , نساء سومر  وبنات النخل والطين ..

                          بغداد   \   2022

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق