بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 11 مايو 2021

قصة قصيرة اللقاء البارد/ بقلم الأديب سلمان فراج

قصة قصيرة

اللقاء البارد   

(للأديب سلمان فراج)

دق جرس البيت فتركت مكتبي وسرت نحو الباب وفتحته بعد أن تـأكدت بأن النور في الخارج مضاء، فوجدت أمامي جارنا أبا سلمان فبادرني:
- مساء الخير يا جارنا..
سرت أمامه إلى غرفة الإستقبال وأشرت إلى الكنبة قائلا:
- أهلا وسهلا، تفضل إجلس هنا.
كوم أبو سلمان قامته النحيلة فوق الكنبة بشئ من التحشم والإرتباك... ثم تأمل جوانب الغرفة وقد جلست على المقعد قبالته – وقال: -الله يبارك ... دارك قلعة يا أستاذ ... من نصيبك ونصيب أولادك انشاء الله.
فأجبته باقتضاب:
- هذا من فضل ربي. فأردف:
- صحيح ... وصمت ... ثم تابع:
- العز يليق بأصحابه، حضرتك (محامي) قد الدنيا وابن مشايخ أباً عن جد، والله يكرم الكريم.

أحسست بثقل الحديث وبالحاجة الى تغيير مجراه فقلت له:
- أهلا وسهلا يا جار.. ثم نهضت من مقعدي لأحضر له كأس عصير. لا شك أن حضرته بحاجة إلى شيء، وإلا فلماذا يزورني في الليل وقد مضى على زواجي وسكناي في هذه الدار ثلاث سنوات لم يزرني فيها أبداً. بل عندما كنت أصدفه في الطريق أو ألقيه في بعض مناسبات القرية لم يكن يظهر لي من القرب ما يشجعني على الاستئناس بجيرته. وكم من مرة فقدنا فيها أشياء من ساحة الدار دون أن نعرف لها أثراً إلى أن رأينا أولاد ابنه سلمان يلعبون بألعاب طفلنا وليد أمام بيتهم فاضطررنا الى وضع شريط واقٍ على الجدار المحيط بالبيت.

    قدمت له العصير فتناوله بيد معروقة ومرتجفة وثبتها بمساعدة يده الأخرى بين أصابع يده الخمسة ثم قربها من فمه فغاص معظم شاربه فيها وصبها في جوفه دفعة واحدة قبل أن أجلس في مقعدي، فتقدمت منه وحملت الكـأس الفارغة إلى المطبخ.
   كان أبو سلمان من فقراء القرية لم يكن يملك في هذه الدنيا غير قوة ساعديه وكده وبخله على نفسه وعياله .....، وقد أمضى أكثر أيامه في العمل بعيداً عن القرية ولم أكن أراه فيها إلا على فترات متباعدة. أما أولاده فكانوا من شياطين القرية بل شياطينها، لا يكاد يفقد فيها شيء أو يعطل إلا وأشارت أصابع الإتهام إليهم وأم سلمان صاحبة اللسان السليط تتحدى كل من يجرؤ على مفاتحتها بالموضوع..
   ثم تحسنت حال أبي سلمان بعد أن كبر أولاده فراح يضمن الأراضي والكروم وتوظف سلمان بعد الخدمة العسكرية فهدم سقف بيته الخشبي وجعلة من الاسمنت المسلح بعد الخدمة وبنى عليه داراً لسلمان وزوجة ثم تدين وصار الناس ينادونه بكنيته "أبو سلمان" بدل لقبه "أبو خلف" لضخامة قدميه .. عدت إليه قائلا:
- أهلا بالجار .. فأجاب كمن أزيح عنه عبء ثقيل:
- وبكم، الله يرحم والدك، كان له فضل علينا فأجبته:
- الفضل لله تعالى .. صمت قليلا ثم أردف:
- وأنت يا حضرة المحامي أملنا فيك أن تسد الفراغ بعده، الناس ما لها غنى عنكم.
عرفت أنه سيتابع أسلوب التملق الذي لم أر له وجها في تلك الساعة، أولا: لأنني مشغول ثانيا لأنني لم احس في يوم من الأيام بأن حضرته يحفظ جميلا ما لوالدي ولا بأني شخصيا محل لثقة وموضوع لحاجته ، أما أولاده، فالعوذ بالله من جيرتهم، وخصوصا ابنه سلمان .. فإنني لم أسمع منه كلمة صباح الخير ولو لمرة واحدة، بل كنت ألمح في نظراته جوع الدنيا بأسرها، كلما نظر إلى جهتنا أثناء عبوره الطريق المحاذي.
فقطعت حديثه قائلا:
- العم أبو سلمان له حاجة... تفضل...
تلعثم متفاجئا .. وتنحنح ثم تململ في جلسته وسحب رجليه نحو الكنبة وشد طرفي الحطة (التي تغطي اللفة) على رأسه وقال متسائلاً:
- احنا جيران؟ والجار أحق بالجار. فأجبته:
- طبعا ، فتابع...
- من سنين وأنت تعطي أرض السهل (لأبو حسين) فقلت:
- صحيح ولكنني سرعان ما فهمت قصده ... وتخيلت في لمح البصر صور العداء التي كنت ألمحها في وجهه ووجه أولاده وخيل الي أن السبب كامن في أنني أعطي الأرض لأبي حسين وليس لهم، ثم سمعته يقول:
- أولا أبو حسين رجل (جاهل) وثانيا أنا جارك. فأنا أحق منه بالشركة. وأنت بحاجة لرجل أمين يعرف ربه ويكون قدام عينيك.

أحسست بالدم يغلي في داخلي وطارت من ذهني كل قيم الضيافة فقلت له:
- منذ متى تعتم باللفة؟ فأجاب :
- منذ سنتين. فأردفت:
- حفظت شيئا؟ قال:
- كيف أحفظ؟ ما تعلمت القراءة والكتابة. يا حسرتي..
فقلت ببرود: عد إلي وإن أردت الأرض عندها سأعطيك إياها بدل أبو حسين.
- عندما ...
قمت من مقعدي بحركة فهم منها (أبو خلف) أن الزيارة قد انتهت وسرت أمامه الى الباب وفي داخله كلام لا يجد القوة على إخراجه، وعندما خرج من بوابة الدار التفت إلي وكنت واقفا بالباب أرقبه فلمحت في عينيه غضباً وكرهاً.. ثم استدار وسار بخطى ثابتة غير مرتبكة يدق أرض الشارع وابتلعه المنعطف إلى داره ... وقبل أن أغلق الباب سمعت نحنحته تعلن من بعيد أنه هناك ... ثم دخلت لأكمل عملي في المكتب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق