بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 12 أغسطس 2021

بصماتُ وثيقةٍ / بقلم ٠٠ الأديب عبد الزهرة خالد/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

بصماتُ وثيقةٍ
بقلم : عبدالزهرة خالد 
—————————
تنويه : من شروطِ الوثيقةِ لا يقرؤها أحدٌ من البشرِ إلا تابوتٍ أسود مكبلٍ بحبلٍ أبيض يهزّهُ الرّيح الذي يدفعُ السيارةَ للعودةِ في طريقٍ منفي .

البصمة الأولى : ماذا لو عمّرَ الإنسانُ أكثرَ مما هو مقرر ، ماتَ كلُّ من يعاشره ، سينتظرُ طفلاً آخر كي ينمو ويكبر ليرافقه إلى عتبةِ الدار ينظرُ منظرَ الشارعِ الخالي من الصبيةِ الصغارِ لم يعرفوا حرارةَ الصيفِ ولا بردَ الشتاء لأنّهم مشغولون بأجهزتهم الرقميةِ فهم الفائزون على الدوامِ بما يفكرون في ذكاءٍ ودهاءٍ يتربصون بالعدوِ قبل الصديق . فرغَ الشارعُ من ركضاتٍ وكركراتٍ وراء الكرةِ المطاطيةِ ذات دراهمٍ معدودةٍ نحيفةِ المعدن ، وخلت المطباتُ من الدراجاتِ الحديديةِ التي تكلّف بمهامٍ صعبةٍ في جلبِ السلعِ إلى الأمهاتِ وعلبِ السكائر لأبٍ ينتظرُ بفارغِ الصبرِ فتحَ العلبةِ قبل أن يسيلَ لعابهُ على ذقنه الذي أكلته الشفرةُ ألفَ مرة ، أفتح البابَ بهدوءٍ قبلَ أن يُقال لك إنك متأخر .

البصمة الثانية : تغيرَ كلُّ شيءٍ والظلُّ هو وحيدٌ فوق الترابِ يراوحُ بقدميه أمام دفعاتِ الحوذي ، بينما يحملُ في وجهه حجاباً مكتظاً بعيونٍ سود تستظلُ به الصورُ من وهجِ الحوادث ، قد يشاطرُ عزف الخاصرةِ في معزوفةٍ قديمةٍ بعمرِ الطيفِ المنحني على أسطوانةِ المدينةِ دون أن تخدشَ صوتها الزرازير ، أبداً لا تستمع لسمفونيةٍ فحواها ، قطعةُ ضوءٍ ينفردُ بها الظلال حتما تستسلمُ إلى عفاريت الغروب ، من هنا تبدأ تجربة الهدوءِ في الطرقات .

البصمة الثالثة : يرتدي الثوبَ الشريفَ كي يستر عورةَ القشعريرةِ حينما ينتابه الذهولُ في دخولِ الذكرياتِ بدونِ استئذان وقت الصلاةِ أو ربما أثناء الوقوف لبرهة ، صدّق قولَ صاحبته الأولى حينما قالت لا تتركني هنا وسطَ الفلاةِ قد تتلاقفني الوحوش ، ولم يكترث بالثانيةِ كلّما دعوته للعبورِ إلى الناحيةِ الأخرى من نمطِ الحياة ، وما مسه من الثالثةِ فجيعةٌ لا تذوبُ أو تزولُ مع الموجِ الأكبر ، والرابعة امرأة بين سهمين والخامسة نفس النموذج المرسل إليه بالبريدِ العادي حتى صندوقه البريدي المصنوع من الحديدِ الصلبِ المنصوبِ قبالة داره فيها رسائل عديدة من مختلفِ الأصنافِ والجنسيات يتحسسُ رجولته ساعةً وساعة يتركُ كبرياءه لإرضاءِ شهوةِ مراهقته المبكرة ، بريقٌ مباغت فيه خيطٌ من نشوةِ غيبوبة .

البصمة الرابعة : لم يكنْ الدربُ المعبّدُ بالندمِ حصيلةَ السنين ولا السنابل الذهبية يحصدها له منجلُ الخبرةِ والتجربة التي باتت على المحك ، ليته لم يكنْ في هذه البقعةِ المباركةِ وتركَ نعليه لدى الحاجب ، ليتهُ سمعَ نصيحةَ أخيه وأدرك ملياً أنه لا حول ولا قوة ، يدرك تماماً أنه الخاسرُ الأول في كلِّ معركةٍ أو تهديد أو قرار ، تيقنَ أنّ مَنْ يجوب في أمعاءِ الأرضِ هو قيحٌ لا يبدد فهو يتناول المنشطاتِ دون أن يشعر به أحد ، صنوان من فراعنة الصمت أسطورةُ الساكتين فوق منصاتِ الاحتجاجِ مثل لمعانِ الأحذيةِ خلفِ زجاجِ العرض… 

البصمة الخامسة : قبل الحمصِ والزبيبِ وسلالِ الورود المهداة في نهايةِ الجدل كتبَ ورقةً تميلُ إلى وثيقةٍ سريةٍ تمارسُ الجهرَ بالعهرِ تحت وسادته المرسوم عليها رأسهُ المثقل بصخور الصمت . يرددُ في نفسه " لا مقدس في هذه البصمةِ 
غير حزني" ثمّ قال بلا تردد لا تصدقوا حياتي بل هي موتٌ يهيأ البدنَ إلى عالمٍ يشبه فناءً في نقطةِ صفرٍ ومنه إلى عالمٍ لا ينتهي وقد يرضي به من حوله كي ينعتوه بكلمةِ إنسانٍ ليس إلا مجرد كيان يزاحمُ ويشغلُ المقاعدَ عندما يستريح المجاهدُ وقت الظهيرة ، لأجلِ أن تشيّدَ صومعةَ الفطنةِ تحتاجُ إلى جيشٍ جرارٍ من النّملِ .
—————
البصرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق