إمرأة الليل والناسك والكلب
بقلمي أنور مغنية
يُحكى عن امرأةِ ليلٍ
نبذتها مدينتها ...
وامتزج خَلَس ليلها
بلحاءِ نهارها...
بعد ان ساقتها قدماها إلى الصحراء
شمَّت بها كلَّ النهار
شمَّت بها كلّ القلب
كما شمَّت منها مدينتها
كانت إمرأة ليلٍ حقيقية
تحبُّ رحلة الجسد
أتت لليل ولم يأتها
والعطش طفق يتعهَّرُ أكثر
لأنَّه سرى يتطفَّقُ في جسدها
قالت : لابأس هذا هو الجسد
تسري فيه كلُّ الأشياء
الدَّمُ والعهرُ...
العطشُ والفقرُ
كما يسري في الحياة
الخير والشر ...
وصَلَت صومعة ناسك
فالمتدينون يعرفون الغانيات
أكثر من الحانيات
لأنهم يتلصصون أكثر ...
أرادت شربة ماء
طردَها لأنها زانية
توَسَلَت... سأموت بدون ماء
لم يعبأ لأنها فاجرة
لا بدَّ من أن تموتَ معذَّبة
قال لها :
ستصلبك الصحراء بشمسها
هذا بديل رجمك..
ستأكلك الكلاب والذئاب
إنها أولى بلحمك...
تركها بين انكسارها بكلامه
وعطش جسدها
وبكاء روحها
مشَت مسافة روحٍ وقدم
رأت كلباً من بعيد
ينبحُ لها كأنه يناديها
لا يبرحُ مكانه
ولا تبرحُ عيونه عيونها...
لا تعرف أيريد أن يلبِّي نداء المتنسك
أم الصحراء ام عطشها؟
أيريدُ لحمها أم حلمها ؟
دنَت إليه
فوجدته ينبحُ بلسانٍ أبيض
لوَّنَه العطشُ
كان حائراً
لا يريدُ أن يغادرَ البئر
ولا يريدُ البئر أن يغادره
لأنها المسافات...
فبين البئر وبين الكلب
أيضاً مسافات
كانت وحدها الغانية
تستطيعُ أن تطويها
فما الفرق بين الناسك
وبين الغانية ؟
أقصدُ بين الناسك والكلب ؟
يحدِّقُ الكلبُ وعيونه تتوسلُ عطشاً
فنسيَت عطشها
كما نسيَت عهرها
ولكنها ما نسيَت عهر الناسك
فحين يلتقي الإنسان والحيوان
في محنة ..
تختفي الأسماء ويتفاهمان كثيراً
أحياناً يجرُّك حيوانٌ إلى إسمك اكثر من اسمه
خلَعَت عباءتها
وأرسلتها إلى قعر البئر ، فلم تصله
بدأت تخلعُ من جديدٍ أثوابها
لا بأس فالحياة لم تخلع لها ثوباً
كانت هي وحدها تخلعُ للحياة
بقيت عارية كما خلقها الله...
فانتبهت للصحراء
كانت الصحراء عارية أيضاً
جلدها للريح والرمال
شعرَت لأول مرة بشرف عريها
لأنه كان لأجل الكلب
لا من أجل إنسان
ربطت اثوابها إلى بعض
حتى وصَلَت قعر البئر وماءها
فأخرجتها وعصرتها في فم الكلب
وهو ينتظر بين مرَّة و أخرى
كطفل ينتظر ثدي أمه ... حتى ارتوي
ارتخى مستلقياً تشكرها عيونه
رجعَت تسقي نفسها حتى ارتوت
وارتخت إلى جانبه يحدِّقان ببعض
عيونها تدمع ، قالت له:
سقيتك وأنت كلب
ولم يسقني الناسك وأنا إنسانة
سقيتك وأنا عاهرة
ولم يسقني وهو مصلِّي
مشَت ومشى وراءها والماء والبئر
التفتت فوجدت الكلب أيضاً وراءها ...
ما قصَّة ذاك الناسك مع الغانية ؟
كان ملأ جُبَّته الفقه
ولكن لم يملأ فقهه الروح
لذا لم تقبله الصلاة
ولم يقبله الكلب
فتركه وذهب مع الغانية
التقت هذه الغانية بعد أعوام
بعابر سبيل
على مزرعة اشترتها
كي تزرع قلبها الجديد
وجعلت وسطها بئراً للعابرين
تسقيهم منها لأنها سقت كلبها
نحيلة عيونها نحيلة أقدارها
تُغَنِّي لم يفهم لغتها أحد
لم يفهم أغنيتها أحد.
ولم يفهم دمعتها أحد ..
حين أقبلت على عابر السبيل
كان معها الكلب
يلتصقُ بأطراف ثوبها
لا يقبلُ لأهداب الثوب
أن تتركَ أنفاسه.... حيَّرَهُ الأمر
كلُّ العيون وراء قلبها
كلُّ الأسرار وراء عيونها
كلُّ المسافات وراء بئرها
كلُّ الأسماء وراء كلبها
سألها : مااسم كلبك؟
قالت: اسمه الناسك
رجعَ يسألها : جعلتِ حيرتي حيرتين
لمَ هذا اسمه ؟
ولمَ يشمُّ ثوبك طوال الوقت ؟
قالت: اسميته الناسك
لأنه وفيٌّ لهذا الثوب
سقيته مرَّة واحدة
فبقيَ يتعبَّدها
وأنا سقيت الناس من حجري
آلاف المرَّات
فسموني نجسة ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق