بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 29 يناير 2022

النعي طقس جنوبي يرافق النساء : بقلم / الأديب قاسم وداي الربيعي/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

وديت يا يمــه تجيــن
     وحدر المطر والغيم تمشيــن 

النعي , طقس جنوبي يرافق النساء 

               قاسم وداي الربيعي 

كثيرة هي المناسبات والمواقف التي جعلت من المرأة الجنوبية تطلق الشعر والنعي , حتى عرفت الكثير من النساء في الأوساط العشائرية خصوصا في بيئة الأهوار والريف , وكانت القبائل تستدعي تلك ( الناعيات ) إلى المأتم , وينتشر هذا النوع في الأوساط النسائية ولا يحصر في مدينة واحدة بل يكاد ينتشر عموما في جنوب العراق والفرات الأوسط ,  ولأنني أنتمي إلى تلك البيئة الجنوبية سأقف عند النعي الذي يحبه الرجال ويستمع إليه حتى من غير بيئة الجنوب , لكن المؤسف إنني لم أحصل على أسماء كثيرة من الناعيات  وذلك لقلة التوثيق وعدم الاهتمام  , غير إنني سأكتم أنفاسي وعدم ذكر أسماء بعضهن بل اكتفيت بذكر أبيات النعي وهذا ما يهمني ..
        المواقف التي تزدحم وتضج في صدورهن  هي التي تستدعي المرأة إلى النعي والشجن  , فإذا استثنينا مناسبات العزاء وهذه ظاهرة معروفة , حيث تأتي المرأة ( تلاجي ) وهناك تصدح حنجرتها بذكر المتوفي ومحاسنة ومواقفة , ولأنها صاحبت صوت جميل ولها القدرة في أطلاق الشعر بشكل بديهي ومباشر , ينتشر أسمها في مجالس النساء وتعرف عند الجميع , لكن هذا لا يعني أن بقية النساء لا تجيد النعي , بل تكاد أن تكون النسبة الأكبر من نساء الريف يجدن النعي , فيمارسنه في بعض الأوقات لظروف كثيرة  سأتطرق لها وباختصار شديد  .
   ممكن أن يكون  الظرف الاقتصادية والمعيشة الصعبة تدعوا المرأة إلى استذكار ما كانت عليه من الدلال و الرخاء  وهي في بيت أهلها , أو قبل أن تتعرض إلى محنة الفقر والجوع , والمعروف أن بيئة الريف تعرضت إلى شتى المحن فالعوز كان رفيق الجميع  .. فتقول 
             مرت عليّ بت الخرية 
            سلام ما سلمت عليه
            من شافت أحوالي رديه 
           على الله على الله يا بن أمي

      وحين تريد المرأة أن تنعى تتخذ لها مكانا خاصا , ربما على حافة النهر ( جرف الشط ) هو المكان الأفضل لديها كما شاهدته في طفولتي حين كانت أمي تبكي على أهلها الساكنون في بغداد أو على أبناؤها الذين افتقدتهم  لأشهر وهم  لأبن الأكبر في الخدمة العسكرية والأخر يدرس في بغداد , فهي تشتاق لهم وتحن إلى رؤيتهم , والنهر أو الشط  كما يطلقون عليه أهل الجنوب هو الذي تسير فيه الزوارق البخارية ( الماطور ) وعادة ما يحمل الماطور هذا العائدين من السفر إلى بيوتهم , لذا تجلس بمحاذات النهر وتسترسل ندائها المشبع بالحزن واللوعة ..
             جني افكدت عزي ودلالي 
            وضل من اهلنا البيت خالي 
            حرمة وادور عين والي
           جنهم  نسونا احاباب كلبي مجيد يمه
ثم تستمر على هذا النداء , حتى ينبري أحدهم ويقول لها ( كافي خويه موتي روحج ) بعدها تختم جلستها وتمسح دموعها وتنهض كأنها موكب جنائزي ..
              يجواد غيبتكم طويلة
             حملي وكع محد يشيله
             كلوله تنزل بالحدود
            اذب العليها  وتلبس السود
            طال السفر ما ظن يرجعون 

  غير أن المرأة في الجنوب  كلما حاصرتها الأزمنة وتعرضت إلى ما يسرها تجدها تندب أخوتها , و الأخ عن المرأة الجنوبية  عالم من المحبة فهو عندها بمثابة الجدار الذي تتكأ عليه , فهي تشكي كل همومها إلى أخيها , حينها كان الأخ يقسم باسم أخته وهو يبادلها نفس الشعور , فكيف بها وجميع أخوتها بعيدون عنها ويسكنون في محافظات شتى , هنا تختار المكان المناسب للنعي والبكاء فتذهب إلى ( الدار ) المكان الذي كانوا يسكنون فيه قبل رحيلهم , والمكان اليوم هو مجرد أرض بلا أطلال ربما النخلة هي الوحيدة التي تستدل بها إلى أثار ( الربعة أو المضيف ) لكنها تستنشق رائحة البيت حينما كانت صبية في بيت أهلها و وسط أخوتها ..
             اليوم روحي تريد وتريد
             خويه تريد ملكى وي البعيد
             مريضه وعيب الحج الونه
             خويه لو تجون اليوم كلكم
             أفرش فراشي وأدير يمكم
          عميانــه على الزينين عينـــي ...

           شمالج يا دارهم مني تطردين
          وباطل عتبنا وي المحملين
         ولك يلحملتهم جا دربك منين 
        ولك خويه 
         ما حمليت من حملوا ما حمليت
          وبضعونكم ما جلبيت 
         سودى عليه يوم ضليت 
        بشلوه وتبدى الماي مني 

   وتبقى الشكوى مستمرة  عند المرأة (  المكروده )  , لكن هنا  ستكون الشكوى قاسية  ومضنية , فحين تشعر بالمرض وتنقطع بها السبل  وعدم مجيء أهلها إليها  تلجأ إلى الطبيب , لكنها هذه المرة تلجأ إليه وهي ضعيفة دون الوالي ودون الاهل , فتجهش بالبكاء بصورة حزينة لا مثيل لها , وهي مؤلمة حقا ..

            خويه اروح للدكتور أضيفه
            أجابله وأخذ رغيفه
            وأكله المريض شلون كيفه 
            ما جوش أهل كَلبي وأكلهم 
            أنا مريضه وعيب انامن ولك خويه

      وفي أحيان كثيرة يجتمعن النساء على شكل حلقة يبدأن الجلسة بالمسامرة والسؤال عن الأحوال والزراعة والأولاد ,  حتى إذا مضى بعض الوقت تبدأ العيون غارقة بالدمع وتحمر الوجنات وهن يستذكرن الأهل ويستذكرن الزمن الجميل وكيف غادر الأهل و رحلن الأمهات , هنا يبدأ النحيب لكن بشكل مختلف , فتتبادل النساء الأدوار ويبدأ النعي مشترك وكل واحده تروي روايتها في بيت نعي يفيض حزنا وألما , وتكون البداية مع صاحبت الصوت والمعروفة بينهن , وعادة ما تجلس في مقدمة الحلقة أو المجلس ..
             اريد اليجرني من عباتي
             ويكلي عندي الليله باتي
             انتي الحنينه من خواتي
             راح الولي خايب يكلبي

 فتبادر أخرى في بيت نعي مشابه الى البيت السابق فتقول :

اريد اليكلي وين تردين
عندج بهل ديره حنين
خويه حملج على الراس وعلى العين
خويه داخلتك على الله جاش سوي

بينما أخرى يبدو إنها على خلاف مع أخيها , فتشكوا الحال وترثي مواجعها ..
            أخوي التعشا وأبني أحذاه
           لا صالحه  ولا   وكلاه
           يخاف من مرته أتولاه 
       عمت عينهم كف ضعنهم 
ثم تبادر أمرأه أخرى لتواصل الجلسة  , فمن الضروري جدا أن يشاركن جميع النساء , وكل واحدة لها همها ولها خطابها .
       اطيت الغريبة شحم اديه
      وحسبالي الغريبه اتصير أخيه
      ثاري الغريبة سموم حيه
وليس بغريب أن تتذكر النساء أمهاتها , فالأم تسكن الأوردة وصورتها مرسومة على قوس الحدقات , الأم التي لم تحضر أبنتها التي تعرضت إلى المرض الذي أجلسها البيت , وهي التي بعثت لأمها  العديد من الرسائل والرسل , لكن يبدو الأمر قد أخذ مأخذ النسيان أو لأمر ما ..
     وديت يا يمــه تجيــن
     وحدر المطر والغيم تمشيــن 
     ولفي حزامج لا توانين 
وبلكت على وناتي اتلحكين 
 مريضه ومكدر الونه يا يمه

وهكذا عاشت المرأة الجنوبية تلك المرحلة الممتدة من أزمنة عميقه كانت فيها البارعة وصاحبت المواقف , لباسها الحكمة والصبر , أخرجت من صدرها الحنان وأنجبت الرجال , كان يختلط دمعها مع الخبز , وبقيت عيونها مبلولة من أزمنة لاحقتها , ترتدي الثوب الأسود المرصع بالعجين , بينما ( عصابتها ) كانت ملجأ إلى الكبرياء والمسك , لم يمنعها ضنك المعيشة من أن تمنح الوطن خيرة رجالاته , فمن فم الهور ومن مدارس القصب تخرجت الأجيال والتحقت بركب الحضارة والمدينة , وحين تقف على خيرة أسماء الوطن في الطب والأدب والرياضة والهندسة تجدهم من رحم تلك الأمهات الطاهرات , نساء سومر  وبنات النخل والطين ..

                          بغداد   \   2022

الخميس، 27 يناير 2022

هكذا قرأت عينيه : بقلم/ الأديب خضير الحساني/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

( هكذا قرأت عينيه )
خضير الحسّاني / العراق
.......................................

أَقرأُ لُغَةً مِن شِفَاهٍ ذَابِلات
فِي ترجمانٍ مَهِيب ..

مُعَلّقٌ بَينَ أَرضٍ وَسَمَاء ..
يتَشضّى كالطّلعِ بِأَحلَامٍ مُتأَخّرَةٍ أرهقها اليَباسُ بِنُعَاسٍ طَوِيل صَرِيعاً بِمديَةِ كَانُونٍ يَلتَحِفُ الشَّهَقَات فِي غَمدِ الجَسَدِ العَلِيل ..

لَم يترك أثَراً غَيرَ الحُبِّ ..
تَداولَهُ الحُضُورُ بِالذِّكرِ الرَّحِيم ..
مَعَ أَنّهُ لَم يَتَعَبّد طَوَالَ اليَقِينِ الَّذِي غَادَرَهُ فِي مُنتَصَفِ الحُلْمِ ، بِتَذكرَةٍ صَالِحَةٍ ..
مَمهُورَة بِالمَلاذاتِ بطيبِ لِقاء ..
كَأَنَّهُ يَدرِي عَلَى أَيِّ جَنَاحٍ سِيَمِيل ، 
عَلَى الصِّرَاطِ الجَلِيل .

لَا أَعرِفُ لِمَاذَا تَبسّمَ عِندَما عَرَجَ مِن خِلَالِ الغَيمِ مُحزّماً .. بِالصَّلَوَاتِ ..
كَالمُزَكَّى مِن غَيرِ حِسَابٍ .
والطُّيُورُ تَصِيح : ..
دَعُوهُ يَدخُلُ بِنَفَسِهِ الكَريم ،
بِالبَرَاءَةِ وَسِيم ، وَافِرُ الضّحكَات ..
لَاذِعُ اللِّسَانِ بِالحَقّ الوَكيل .

هَكَذَا قَرَأَت عَينَيهِ الَّتِي تَبتَعِدُ عَنّي ، ..
كُلَّمَا شَدّهُ المَلَكُ لِلمَالكِ العَظِيم ، تَارِكاً وَصَايَاهُ لِأَهلِ الأَرضِ باَخِرِ نِدَاء في صَمتٍ رَهِيبٍ ..
أَنَا ذَاهِبٌ بِالَّذِي جَنَيت
مُتخَماً بِالحُزنِ الأَزليِّ ..
بِمَا جَرى مِن عَثَرَاتٍ فِي دَربِ أَهلِ الأَرضِ ..
حَيارَى ، يَتعبَّدُونَ لِلبقَاءِ خَوفًا مِنَ الموتِ .. ،
وَأَنا القَانِعُ بالرَّحِيل .

الثلاثاء، 25 يناير 2022

دع الأيّام : بقلم/ الشاعر محمد كريم البديري/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

خذ الصــبر لباســــاً لاتبالي
                   فإنّ الصبر من شيم الرجالِ
ولاتدع الرزايــا تستبيحك
                      دع الأيّام تمضي والليالي
وثق بالله... يجلـي كلّ همّ
                  وكن حسن النوايا والخصالِ
تسامى فوق جرحك لاتطأطئ
                  كصقر شامخ عَشِـقَ العوالي
ولاتستوحش الدنيا..  قَنوطاً
                فجمع الناس كم فيهم غوالي
وكم من صادق فيهم وفيــّا
                 لشطرك مدّ في الودّ الحبالِ
إذا قطعــوا لرحمك حبل ودّ
           فكن في الله حسبك ذو الجلالِ
ســـيغني الله حالك بعد فقر
              وقل : لله أشـــكوا عسر حالي

الشاعر/
محمدكريم البديري.

الاثنين، 24 يناير 2022

أحبُّكَ : بقلم / الأديب حميد العنبر الخويلدي/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

/  شعر اعتباري / 
أحبُّكَ
                 
* اني أُحبُّكَ...                                     اتركيهِ غريباً مع الوقت ..
يعرفُ الطيرانَ ..
يعرف حدَّ أن يتبعثرَ مع الريح ..
يهوي ..
ويهوي ويهوي ..
حتى يصل لسقوط يفنيه ..
ولاشلو باقٍ منهُ..
الا الذي تلقّفتْهُ رؤوسُ الصخور ..
الشخانيبُ
الجبالُ ..
واعوادُ الشجر ..
ومايأكلُ الطيرُ والوحشُ
لعلي رايتُ نفسي هكذا 
البارحةَ ..
فحججتُ جزافاً بمقتلي
افديكِ ياابنةَ النهايات البعيدةِ..
ياابنة المستحيل الذي لايقبل المرورَ..
ولايقبلُ اللقاءَ ..
ماابهى أن انتقي هجرتي بيدي ..
مرزومةً كالبضاعة ..
اخالُكِ فيها ..                         اخالُكِ باتجاهٍ أصنع منها مدنا صخورَها وأقواسَها من كلامكٍ ..
من أول تلعثُمٍ انتابُكِ يومَها بيننا..
من مراوغات الخوف والهوى ..
من اياد الرغبة كيف تتسلّلُ
كيف تنحصر الكلمةُ ..
لتُرْسَلَ اليَّ ويسحبها مجذابٌ
للخلف ولاتقف                        فتدفعُ بنفسها
ثانيةً تكرُّ..
إذ تمرُّ مثلَ اللبوة شرسةً تحملُ
أتونَ الشوق ..
لتعلنَ إعلانَها الاخيرَ ..
           اني احبُّكَ ..

           الشاعر 
حميد العنبر الخويلدي
           العراق

موج و مدى : بقلم / رويدا الرفاعي/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

(موج  و  مدى)

رسمتُ الحلم آفاقاً
تراودني  و تنساني

لمحتُ  اليوم   آمالاً
تُلامس نبض وجداني

تُعانق   جمر   أفئدةٍ
و تُوقد  كلّ   نيراني

تُجاور  مهجةً  كانت
تعيش بمجرى شرياني

لئن  فارقتُ أفراحي
تُزاور عني أشجاني

تُعاتبني بطرف العين
تَحمل  ثقل   أزماني

و تَهمس همسةً من نور 
لتمسح   كلّ    أحزاني

ويبقى الحبّ مابقيت 
هنا الأحلام  تغشاني

بحر الهزج

رويدا الرفاعي

العاشق المجنون والراحل دون وداع الشاعر جبار الغزي/ في رحاب قلم الأديب قاسم وداي الربيعي/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

ما بيه أعوفن هلي لا بيه أعوف هواي 
گلبي نسيته اهناك ياهو اليدوره  وياي

الشاعر جبار الغزي 
 العاشق  المجنون والراحل دون وداع 

          قاسم وداي الربيعي 

 في ناحية الفجر \ قضاء الرفاعي كانت صرخته الأولى 
ذي قار \ 1946 , المولد أسمه جبار عبد الرضا الغزي 
لم يمكث طويلا ,  حتى غادر مع عائلته إلى مركز المدينة \ الناصرية 
الناصرية التي منحت الوطن كبار مبدعيه , لكن الغزي سيكون أزمة هي أزمة الشعر والحبيبة  , و المنفى الكبير في محطات حياته  , في الناصرية تعلم أن الأرض صادقة ولا تجيد الكذب ولبس الأقنعة , فأرتدى لباس الأرض و عشق بكل مسامات جلده , هكذا هم أبناء الطين والقصب , وأبناء سومر التي التصقت حضارتها بأهداب ساكنيها , فكان الثمن – هو جبار الغزي الشاعر والإنسان والعاشق المجنون ,
لحن خط على سلم الموسيقى الحزينة
كتب على قائمة الرحلة الموجعة 
مشى بخطواتٍ صوب المدن 
المدن التي استقبلته وحيدا 
دخل صناعة السماوة عام \ 1962, بينما أكمل الإعدادية في مدينة البصرة  \ 1968 ,  ثم غادر إلى بغداد  وعين موظفا في وزارة الشباب , لكني لم أقف على حقيقة عمله ولماذا تركه وأخذ يمتهن البيع على الأرصفة ..فقد حدثني صديقي الشاعر عبد الحسين فرج قال : لقد كان لديه جمبر ويبيع ( الحب والجكاير ) وكان يرتدي معطفا حتى في فصل الصيف , يقول كنا نجمع له الدنانير في سبيل العيش وقضاء حوائجه لكنه يذهب ليقوم بتوزيعها على الفقراء , وكانت أمه تأتيه بين فترة وأخرى وتجلس معه في ساحة التحرير , ودائما ما تجده يتسكع في شارع النهر وينام على برودة الأرصفة , وينتقل أحيانا إلى ساحة الميدان  , هكذا أخبرني صديقي الشاعر عبد الحسين فرج ..

        بدأ الشعر مبكرا , حين استقرت به الرحلة في الناصرية 
أختلط بشعرائها فأخذ الجمال وسكن أوردته , مع زملائه أقاموا أول مهرجانا للشعر الشعبي في العراق \ الناصرية,  كان ذلك بعمر الصبا عام \ 1969 ,  جبار هذا أحب فتاةً في ريعان صباه , أحبها بقلب شاعر وأحساس مجنون , فمنحها قلبه و وجه وماء رجولته ,  كانت  خضراء بلون الحقول هي من الفجر  , الفجر التي تفتح صدرها على حناجر الشعراء , وبادلته المشاعر بكل أنوثتها , كانت متأثرة بشخصيته العاطفية جدا , فهو شاعر يفيض محبة .
يكتب لها الرسائل على هيأة قصيدة 
فكانت رسائله قصائد . تأتيها مثل وخز الدبابيس
عمل بكل قواه . كي تكون تلك الفتاة مركبه 
خاطب الجميع , طرق لأبواب وغنى على مفترقات الطرق
كل ما يحلم به , زوجة تسكن خاصرته
تطعمه الهواء والسحر 
تناديه باسمه حين تحاصره الأزمنة  
   غير أن وضعه الاقتصادي كان سببا كبيرا لرفض أهلها  , عدوه فقيرا معدما ومثله لا يتزوج بنت الأكارم  كما كانوا يعتقدون ,غير إنهم لا  يعلمون أن العاشق هو جبار الشاعر وهويته الناصرية حاضرة الكون   ,  لم يبق أمام جبار بعد أن فشلت محاولاته إلا الرحيل والاغتراب , عليه أن يهرب بعيدا عن موطنه , لأنه يرى أن الشوارع والأزقة والأبنية والأنهر تناديه باسمها , فقرر الرحيل ..
عذاباته هي سيدة من الفجر , سكنت تجاويف قلبه
غادر الناصرية مرغما , وجهته بغداد 
عله وسط مدينة كبيرة يخلع كابوس عشقه ويكمل المشوار
فعاش غريبا , الشوارع لا ذكرى فيها 
الوجوه لا تشبه وجه حبيبته , مختلفة تماما 
طقوسه المشحونة بحب الجنوب 
تبدو مثقلة قامته , إنه يحتاج إلى النسيان 
أو رغبة للنوم على أرصفة مدينة الناصرية 
جبار الغزي , في بغداد لا بيت له 
لا أهل له !
غرف الفنادق الرخيصة هي ملجئه الوحيد
حين يسكن الليل تزوره  حبيبته مع أول كأس
يستذكرها فتفيض عيونه , ويطلق عنان الشعر 
( وهيسك جرح بجروحي 
يمرمرني وتحن روحي 
تفز أجروح  محنه أتفوح 
 غريبه الروح )
حين يشهق بالحنين لا صاحب له , يحمل عنه محنة الجنون والاغتراب
إلا الكأس والشعر , يقضي أغلب وقته متسكعا , ما بين شارع الرشيد والباب الشرقي ,  أينما حل تقرع في رأسه ذاكرة الحب الذي أرهقه , وبغداد كلها لم تمنحه أمرأه لــتكون عونا له ,  بقى أشبه بالنعش المحمول على أعمدة النور ,  تجاوز الأربعون وذقنه يمتد على صدره , وهو يلهج باسمها , المنقوش على الوريد 

(   بس ولعونا ومشوا حگ العرفناهم
تسعر ولا تنتهي نيران فرگاهم
ليله وهجرها الگمر روحي بلياهم
يلواعدتني  ورحت ليون حد الصبر
محتار لاني  الهلي  ولايمك أگضي العمر )

عشرون عاما لم يزره أهله ولم يسمعوا أخباره , في بغداد ابتلعته الشوارع والساحات , رزقه ( الجنبر ) سكائر وبعض حاجيات , منها وما يجود به الأصدقاء يلتهم طعامه على الرصيف , وينام ليله في فنادق ( كرادة مريم ) قبل أن يتحول إلى جهة الرصافة , ومع كل هذا البؤس  و الغزي جبار لم ينس أبدا تلك الحبيبة التي صنعت منه شاعرا يتسابق عليه المطربون الكبار أمثال حسين نعمه وسعدون جابر وقحطان العطار وكمال محمد وغيرهم , يجلس والصمت يملا تقاسيم وجه , كأنه يقول للمارين أمامه , إياكم و الحب , و شرقنا لا يجيد إلا النفي ومحاصرة الضياء 
 الغزي حبس سنواته كلها في غرفة الفندق البائس كما يحبس قلبه تحت أضلعه , ويقذف الحسرات كلما تذكر أهله وأمه وأخوته , حتى جاءت أمه ذات عام بصحبة أحد أبنائها إلى بغداد   لزيارة مرقد الامام الكاظم عليه السلام , وهي كانت تعرف أن أبنها جبار يبيع السكائر على أرصفة شارع الرشيد , فرفض الأبن زيارة الأم لأبنها , بعد أن شاع عندهم أن جبار ينام في الساحات مخمورا , لكن شاء القدر أن تقف السيارة التي تقلهم في شارع الرشيد فأخذت الأم تطالع الوجوه فلمحت من بعيدٍ ولدها جبار وقد علاه التعب والأعياء والكبر, فخرجت وهرولت نحوه وصوتها يملا شارع الرشيد ( ولك يمه جبار ) فاحتضنته وبكت بكاءً مرا ,  وبلهجتها الجنوبية تعاتبه ( جم عيد الفات وما أجيت ,  جم هلال مر وما جيت انتظرناك هواي يا يمه ولا بينت ) بينما  جبار الغزي صامت كعادته , وماذا يقول في حضرتها وهو العاشق المندحر المخذول , فحين غادرت أمه لم يتماسك عيونه فذرف الدمع وسقى لحيته بملح اللوعة والمصير , فكتب الأغنية المعروفة 
جم هلال هلن 
وانت ما هليت 
جثيره اعياد مرن 
وانت ما مريت
سنين الصبر حنن 
وانت ما حنيت 
ترف ما حسبت بية 
واني وغربتي وشوكي 
نسولف بيك ليلية 

فهي يراها عافيته التي فقدها على أرصفة شارع الرشيد
ما بين ( الجنبر ) وحانات بغداد القديمة , حتى شعر بالمرض ذات ساعة , فتسجى وحيدا , 
لا بيت له
لا أهل له
لا زوجة له 
لا ولد له 
وجدوه صباحا أسفل جسر الجمهورية 
وقد خط على التراب نهايته 
عشرة أيام , دون أن يورى الثرى 
الغرباء , يدفنهم الوطن 
فيخلدون في دفاتره البيضاء
ليرحل بصمتٍ ودون ضجيج 
كان ذلك عام 1985 
ثم حملوه إلى الطب العدلي  في الباب المعظم ليبقى عشرة أيام دون أن يسأل عليه سائل , بعدها اجتمع عليه بعضهم فشيعوه كما يشيع إي مبدع من مبدعي العراق , ليرقد بسلامٍ بعد أن ترك خلفة قصائد تضج بالوجع والإبداع .. جبار الغزي الشاعر المتمرد الذي انتهت رحلة كأفضل شاعر تعامل معه مطربي ذلك الزمن .. لروحه الرحمة والغفران 

                      بغداد  \   2022

الأحد، 23 يناير 2022

بحر حياة : بقلم/ الشاعرة وئام السوادي / على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

بحر حياة

كلماتي
بحَر ُحياة..
أغوصُ..
أُخرِجُ اللؤلؤ 
حروفٌ ونُقاط..
تتلألأ في جيدِ الادب
وأُخرى..
 موسيقى
أَعزفُها مواسِم
تتََبدلُ فُصولها 
 غاباتٍ من الأوهام
كيف أشاء 
ومتى أشاء

قلمي 
حبِرُهُ دَمي
وأوراقي 
مازلتُ أبحَثُ عَنها
في طوقِ نجاة..

أنا ذلك الغواص
انا ذلك الغواص 
أن نَفذ مني أوكسجين الحياة
سأبقى على قيد الحياة

دائبةُ  البحث أنا
دائبة البحث أنا
عن تلك الوريقات
وريقاتُ أحلامٍ
بَددها الًعمر
وألتهمتها حرُوب ألحياة...

سأغوص وأغوص  
حتى أخرجها 
تتلألأ في جيد اللغات
أوراقي لغتي 
لغتي العربية 
أضمها بِكلِ حنان

وئام السوادي

‎#وئام_السوادي 
‎#شعراء_المهجر
‎#هولندا

ملاحظة: على الصورة ترجمتي لمقطع من نفس النص المنشور باللغة الهولندية.

العودة للجنة : بقلم/ الأديب عمر أحمد العلوش/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

((العودة للجنة ))

أراد العودة لبلدته عودة أبدية ، كان جسده متهالكاً مرمياً خلف مقود السيارة وحيداً ، تاركاً الجميع خلفه ، روحه تنشد ذلك النور المنبثق من وجه ذلك الجمال المطلق .

تنتابه حالة من الخدر تدب بأوصاله وكل أرجائه ، ترك جسده للعبث ، عبث بلا رقيب منه ، ليرقب طريق البلدة المسطح كراحة اليد ، طريق يمتد وسط حقول القمح ، بلدته كلها حياة ، كلها عطر والوان واغنيات ، بلدته حلم غزلته فتاة بكر ، وفراشة سكرى ، وعصافير لاهية ، ونغمة مطلقة ، وموعد عند المساء ملأ الحياة همسات ووشوشات .

انتابته رغبة بالبكاء فمنذ سنين ما اشتم عليل هواها ، ولاتعطرت قدماه بعبير ترابها ، تراب كم من مرة كان تواقاً لو تمرغ به كطفل مشاكس أو حَملٍ يقفز من غير وعي يدعي السقوط ليعود لقفزاته المبتهجة .

السيارة بدأت تنهب الطريق نهبا وكأن روح الشوق قد دبت بأوصالها ، فكل شيئ اصبح بمشاعر وشجن وحنين .

الروح ملئت بأنات الحنين لتصعد خواطر المهجة حناناً بالعودة للمكان الذي انسلخت عنه تلك الروح إنها قصةأشجان لا بد ان تتوج بالعودة 
،وتتحرر تلك الروح من قيدها في ذلك الجسد وتُحلق بجمالها
و تسبح بالأفق الفسيح وتشتحم رائحة الحنين للجنة .
ترك خلفه المدينة بضجيجها وصخبها ، وعناء التعامل القاسي المر ، ترك خلفه دخانها الذي ضاق صدره منه وبه ، ترك العبث الذي أفقده الكثير من مشاعره .

المدينة ببريقها...وبأضوائها إقتلعته من بلدته الطيبة وأهلها الأكثر طيبة ، مازالت سيارته تشق الرياح ....صوت الرياح من النافذة بجواره كانها تمزق عمراً من الوجع ، وتنتف أوراق زمن من شوق .

بدأ يلوم كل ما أبعده عن بلدته حتى جلد نفسه بلا رحمة ،اختلطت لديه المفاهيم والمعايير والقيم .... فقط يريد ان يصل هناك .... ، في تلك اللحظةانقطعت كل هذه الأفكار والمشاعر والاحاسيس حالة من عدم القدرة على السيطرة على أي من
أعضائه .
هو في غيبوبة ، يصحو بعد حين ، وهو ببلدته ، مُسجى هناك على سرير سندياني
و صورة وجه أبيه المتوفى منذ عقود تعانق وجهه ينبعث منها ابتسامة رضى وقبول واشراق جمال من نور ، وكأن أبيه عاد للحياة ، او انه به إلتحق ، وكله يقيناً ان جمال أنوار الأرواح لايفنى ولا يموت .

بقلمي : عمر أحمد العلوش

لمن العزاء لا من صدى لا من احد : بقلم الأديب وليد عيسى موسى / على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

... لمن العزاء ؟.. لا من صدى  . لامن احد .
..........................................................................................................................................................
اخشى ادع احلاميَ تشدني
ومخاوفي مما خبي بي تسعر .
فان اصخت لفكري وما ينظر
ظلمت قلبي الطافح بما يضمر .
ترى ماالذي بي من وجوبٍ قد يكن هو مخرجي لن آته
وما الذي حيال كوني مؤمن :بمتربص لكل ذات راصد
.. موسوس  ومسيطر ..
ان شئت تنهج صالحا في سعيك تلقاه يقحم خطوك بما حرم وعليك قربه تحذر
ولقد خلقت مسالما .. فكيف لي ان اقدر
ان اصرعه ؟ ..
لا احسبني قادران اصمد ولا حدة في طبعه ان اقهر .. او اكسر .
لاحيلة في صده .. ولا من يد له ترجع .
ولا اصطباري يكفف عما بي ..
إلا  اذق خمر الجمال فاسكر .
فما حاجة الانس قلوبا حسبها تجري العروق بما حوت ..
ولا علة الخلق لها هي تدرك وان بها لحاظ قد تتفكر ..
ان تدرك ان الهوى نبض الحياة وسرها المتجذر
ان تعشق ..هو الامان والتقى والمرتجى ..ولا من شقي عاقر الرملة منتظرا ان تزهر
ولا من مسا الا وروحي تبحر
ذات وقلب على متنها .. ورغائب تتفجر.
سحقا لعمر نقظه ؛.. بذلا ولا من يشكر
وسرائر بالضد مما تظهر وبعضها لايها من سبب تتنمر
ما ان تغيب ساعة فتكشر عن نابها  ينهز جحودها فرصة كي يظهر
تستخفها.آمالك .
مقيدا لما  تشتهي ..
ومسوفا حوائجا  لاتهمل لها تحجر .
حتى ترد يوم الحصاد فلا تجد من منجل تحصد به ..ولا عطائك ينصف .
فلا عندها من ندم يشفي لما هو ينزف .. ومن جحيم له تشعر
ولا من محيط من بكاء يطفي لما بحشاشة يتجمر.
فاليك وحدك شاكيا مظلمتي..
ارجو بها ؛.. الا تطول اقامتي ..
فما من مزيد  لايطاق اواره ..
ولا جور قدرة  احتمل وعلى فحيحه اصبر
لا من قليل اطالة .. ارجوك موعدي تسرع ولا تهمل
إن كان في عذابي بواقي .. فلتغفر..لي زلتي
انت الرحيم فاقبض
فلا من حياة اطمع ..به من مزيد اخسر .
ولا من مواس انتظر .. لقبري ياتي زائر .
الا لعنة على ذي من حياة لاتستحق ان تعاش ..
ولا توقر ؛..
بها الاصالة والنقاء ..
ومودة تطلبها ..باجلها من صور
تاتي الرياح بما لاتطيق ؛..
والنار تاكل روحك ..لاخر من رمق ..
ولا من محب يسال عن علة ..
وان اتى تدب به غرابة عما المْ ..
يدعو الشفاء العاجل .. لما اصاب ..
ولاحاجة لايهُ من اجتهاد ان يدرك من انه هو الطبيب القاتل .
فايها من يستحق اللعنة ؛..
من يَقتل ؟ ..
ام من سُحر بفاتل ؟ .
.....................................................................................................................................................د.وليد عيسى موسى / 2022

الخميس، 6 يناير 2022

ذات صباح : بقلم/ الشاعرة فاطمة حرفوش/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

ذات صباح.                                           ذات صباح دق..                                               الهوى بابي.                                               راجياً حبي وودادي                                                أطرقت رأسي برهة..                                               ألملم بها أجزائي وأشتاتي.                                                ورجوته آسفة أن يدعني..                                                في أمن وأماني.                                                             إرحل يا هوىً...                                                 فبحرك غدار مابه أمان..                                               وموجك هدار عاتي.                                               وأنا لا أعرف العوم ....                                                   وأغرق في شبر ماء...                                               وبحرك لا قرار له..                                                وضعيفة جداً أنفاسي .                                              وأنا خائفة لا أجرؤ ...                                             وشطك بعيد غير ..                                                باد وداني.                                                       وليس معي طوق نجاة..                                              ولا حتى مرشد وهادي.                                             وليلك طويل ..                                             يطول به أرقي وسهادي .                                             وتابعك كل ساعة ..                                             من حال لحال.                                                    فتارة تراه فرحاً..                                               وأخرى غارقاً في الأحزان.                                                وضحاياك كثيرة نراها..                                             في كل مكان.                                                  أتذكر قيساً مجنونك الذي ...                                             تركته هائماً شريداً تائهاً..                                           في الصحراء .                                              وأصبح عبرةً لكل..                                              رائح وغادي.                                                     وعنترة العبسي أصبح ..                                              مقيداً مكبلاً بالأصفاد.                                               وهل نسيت روميو....                                              وجوليت أودت بهم ...                                               صرعى ونجوت..                                            بلا حساب ولا عقاب.                                            فمضى خائباً كسيراً..                                            صاغراً لرجائي.                                              أوصدت خلفه الباب ..                                              وقفلته بالمفتاح.                                                     لكنه مساءاً غافلني ...                                            وتسلل بخفة من الشباك ..                                              يطير مسرعاً سعيداً .                                            من غير جناح                                             وهبت نسائمه العليلة ..                                            وحط بفؤادي.                                               ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،                                              فاطمة حرفوش..سوريا.

دندنة : بقلم / الأديب علاء سعود الدليمي/ على موقع مجلة الآداب والفنون الإخباري

دنــدنــة

تحصدني المناجل
 تذر بيادر قصائدي
 في دائرة الريح العاتية
 فأي فلاح يمنح الدفء
 لأرض أوراقها طي النسيان
 دندنة مجنون
 أذرع بها الدروب
 فيرميني الصبية بالحجارة!
 تصدها ضحكات بريئة
 لم تبلغ الحلم!
عند مورد النسوة
 تشاكس عيناي
 أنوثة صاخبة الألوان
 تنبض بالحياة
تدعوني بشموخ رؤوسها المدببة
 أرتشف ريق أحلامي
أعود منتشيًا
بنصر مؤزر
 بأول غزوة
 أمام خصرها المتمايل
 لقد أبليتُ حسنًا
حتى تبسمتْ
 فهرع خيالي
 يسبقني بألف خطوة للأمام
مستلقيًا متسلحًا برغبة الأحتواء

علاء الدليمي